مجمع القمة للصناعات الغذائية… منصة صناعية جديدة للنهضة الصناعية في السودان
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
لطالما تحدثنا في مقالات سابقة عن الفرص الكبيرة التي يملكها السودان في قطاع الزراعة وعن ضرورة التحول من بيع المنتجات الزراعية خاما إلى صناعات تحويلية ذات قيمة مضافة تضاعف الدخل وتفتح آفاقا واسعة للصادرات. وفي هذا المقال نتناول نموذجا عمليا يترجم تلك الرؤية إلى واقع ملموس وهو مجمع القمة للصناعات الغذائية المقام بولاية نهر النيل، والذي يمثل أحد أهم المشروعات الصناعية الحديثة التي تراهن عليها مجموعة تنمية الصادرات لإحداث نقلة نوعية في سلسلة القيمة الزراعية بالسودان، فالمجمع ليس بمجرد مصانع أو خطوط إنتاج بل يتعدى ذلك ليصبح منظومة صناعية متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الزراعة والصناعة وترفع المنتجات الزراعية من مستوى خام منخفض العائد إلى منتجات مصنعة ذات قدرة تنافسية عالية في الأسواق الإقليمية والعالمية.
# الميزة النسبية لولاية نهر النيل… لماذا شندي؟
إن اختيار مدينة شندي لاحتضان مجمع القمة جاء استنادا إلى ميزة نسبية واضحة فهي تعد من أكثر المناطق السودانية في إنتاج الفواكه والمحاصيل البستانية والحقلية مثل المانجو، الحمضيات، البصل، البطاطس، الطماطم، الذرة الشامية، والبطاطا الحلوة. هذه القاعدة الإنتاجية الوفيرة شكلت الدافع الأول لقيام المجمع الصناعي في هذه الولاية، ولعزيز الميزة بوجود مشروع القمة الزراعي المملوك لمجموعة تنمية الصادرات و الذي يمتد على مساحة 30 ألف فدان ويعمل بأحدث التقنيات الزراعية من (الري بالتنقيط ، الري بالمحوري،نظم التسميد الحديثة، الرعاية الزراعية المتكاملة، اليات الحصاد والتخزين المحسن) كما يحتوي المشروع على مخزن مبرد بسعة 10 آلاف طن،ط مما يعزز و يجعل سلسلة القيمة الزراعية مكتملة وقادرة على تزويد المصانع بالمواد الخام طوال العام دون انقطاع ،فهذا التكامل الزراعي/ الصناعي يمثل الركيزة الأساسية لنجاح مجمع القمة للصناعات الغذائية ولتحقيق استدامة الإنتاج وجودته.
# البنية الصناعية لمشروع القمة… مصانع متقدمة وتقنيات حديثة:
1. مجمع المركزات: ويعد هذا المصنع حجر الزاوية في مجمع الصناعات الغذائيةويضم:
– مصنع مركزات المانجو.
– مصنع مركزات الطماطم وصناعة معجون الطماطم.
– مصنع مركزات الجوافة.
– مصنع مركزات التبلدي و الكركدي و العرديب.
وذلك باستخدام تقنيات تركيز أوروبية حديثة تراعي أعلى معايير الجودة والسلامة الغذائية لتوفير مركزات عالية الجودة تلبي احتياجات السوق المحلي وأسواق التصدير.
2. مجمع المجففات: يعتمد على أحدث تقنيات التجفيف الصناعي الأوروبي لإنتاج مجففات (البصل، الثوم، الطماطم، البامية، النعناع، المانجو، الليمون، الجوافة) وهي منتجات ذات طلب متزايد في الصناعات الغذائية والوجبات الجاهزة عالميا .
3. مجمع العصائر والمشروبات الطبيعية: يبنى على مخرجات مجمع المركزات في تكامل أمامي يخفض التكلفة ويرفع الجودة وينتج مشروبات طبيعية عالية المواصفات قابلة للتسويق المحلي و الصادر للأسواق العالمية.
4. مصنع البطاطس النصف مقلية: المصنع مصنع متفرد في السودان من حيث الحداثة والتقنيات، ويساهم في خفض وتقليل فاتورة الاستيراد من السعودية ومصر بنسبة تفوق 70% وإمداد السوق المحلي بمنتج عالي الجودة مطابق للمواصفات العالمية
5. مصنع النشا والجلوكوز و الذي يقوم في تأسيسه على مخلفات مصنع البطاطس النصف مقلية و إنتاج المزرعة من البطاطا الحلوة والذرة الشامية الصفراء( السيلاج)، حيث يوفر مدخلات أساسية لصناعات المشروبات والحلويات و المخبوزات والصناعات الدوائية مما يعزز فرص صناعة غذائية متكاملة تعتمد على إعادة تدوير المواد الأولية لتحقيق قيمة مضافة مضاعفة.
6. مركز تجهيز الصادرات : يعد هذا المركز من أهم السلاسل في سلسلة القيمة حيث يقوم بتجهيز الصادرات البستانية والحقلية وفق اشتراطات الأسواق و الدول مثل السوق الخليجي والآسيوي والأوروبي ، ويوفر منتجات مطابقة للمواصفات الدولية وقادرة على المنافسة عالميا في الجودة والسعر.
# الأثر الاقتصادي… من خام إلى صناعات تحويلية ذات قيمة
1. مضاعفة العائد الزراعي وذلك بحويل الطماطم والمانجو والبصل وغيرها إلى مركزات أو مجففات أو عصائر يرفع القيمة المضافة 3 إلى 6 أضعاف، مما يؤدي إلى:
– زيادة دخول المنتجين حسب تقسيماتهم (صغار / كبار).
– تقليل الفاقد والهدر في الإنتاج الزراعي .
– استقرار الأسعار في المواسم للمحاصيل
– تعزيز فرص الصادرات السودانية للاسواق العالمية.
2. فتح أسواق التصدير العالمية المعايير المستخدمة في التصنيع تطابق المواصفات الأوروبية والخليجية، مما يحقق:
– زيادة حصيلة الصادرات للمنتجات السودانية
– تحسين ميزان المدفوعات للدولة.
– تعزيز مكانة السودان العالمية في الأسواق.
3. توطين الصناعة وتقليل فاتورة الاستيراد حيث يساهم المجمع في:
– تقليل الاعتماد على الاستيراد.
– دعم الصناعات الوطنية ذات القيمة المضافة.
– توفير مدخلات إنتاج محلية مستقرة للصناعات الغذائية.
# الأثر الاجتماعي… صناعة تبني مجتمعات
حيث يسهم المجمع في:
1. توفير مئات الوظائف المباشرة وغير المباشرة عبر سلاسل الإمداد .
2. دعم المجتمعات الزراعية عبر طلب مستقر على المنتجات.
3. تحفيز عودة الشباب للزراعة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي وتقليل الهجرة من الريف
4. تعزيز الأمن الغذائي طوال العام وخاصة في مواسم الندرة.
# تنشيط الزراعة الحديثة في ولاية نهر النيل:
يمثل المجمع قاطرة للتحديث الزراعي عبر تشجيع( الزراعة التعاقدية ، إمداد للتقاوى المحسنة ،نظم الري الحديثة،الإنتاج وفق المعايير العالمية)
وبذلك تدخل الولاية فعليا في مرحلة الإنتاج الصناعي الزراعي المتقدم.
# نموذج للتوسع… نقل التجربة إلى ولايات السودان
استنادا إلى الرؤية الاستراتيجية لمجموعة تنمية الصادرات اطلاعنا العميق لخطتها الاستراتيجية و سياسية قيادتها المنفتحة، فإن المجموعة تخطط لنقل تجربة مجمع القمة إلى ولايات أخرى ذات ميزة نسبية ومتمثلة في:
1. ولاية سنار: لإقامة مجمع صناعي يعني في عمليات تجهيز الصادرات لمحصول الموز و العمل على إعطاء قيمة مضافة له عبر العمليات التصنيعية بجانب ،تصنيع مركزات ومجففات الجوافة والمانجو وذلك إسهاما من المجموعة في الاستفادة من المقدرات المحلية و الوصول لعلامة تجارية للولاية عالمية.
2. ولاية كسلا و بنفس النسق و العمليات التصنيعية و التكامل سوق يكون هنالك مجمع يقوم على تجفيف وتركيز البصل الطماطم ،و تجهيز الصادرات الخصر و الفاكهة عبر سلاسل إنتاجية ترفع من قدرة المجتمع المحلي في الزراعة و الصناعة و التجهيز.
3. الولاية الشمالية بما أن الولاية تتمتع بميزة انتاج التمور بصورة كبيرة و وفيرة سوف يتم إنشاء مجمع صناعات التمور ، مركزات ومجففات المانج، وتجهيز صادرات الموالح وتجفيفها بالإضافة إلى صناعة البطاطس والمشروعات ذات المصاحبة لها.
إن مشروع القمة للصناعات الغذائية ليس بمجرد منشأة صناعية انما رؤية اقتصادية وطنية متكاملة تجسد كيف يمكن للصناعة أن تعيد تشكيل الزراعة وتعزز الصادرات وترفع دخل المنتجين وتوفر وظائف وتنهض بالاقتصاد المحلي والوطني معا، فوهو مشروع نموذجي يستحق الرعاية والدعم والتحفيز ليتم تكراره في ولايات السودان المختلفة، وفق ميزتها النسبية وإنتاجها الزراعي.
إنه نواة لصناعة غذائية وطنية قادرة على قيادة تحول اقتصادي مستدام في السودان.

