المرونة النقدية والمنهج التشاوري
قراءة في منهج بنك السودان المركزي في صياغة سياسات (2026).
الخضـــر الأمين محمد
يشكل النهج الذي اتخذته إدارة بنك السودان المركزي مؤخراً تحولاً جوهرياً في فلسفة صياغة القرار الاقتصادي، حيث تبنت “المنهج التشاوري“. و الذى لا يعكس فقط ديمقراطية اتخاذ القرار، بل يؤسس لسياسات أكثر واقعية وقابلية للتطبيق، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد السوداني.
1. الإشارة الذكية: “ما لا يقل” وفلسفة الحوافز
لعل أبرز ما يميز السياسات الجديدة هو الدقة اللغوية التي تحمل دلالات اقتصادية عميقة. إن تخصيص نسبة لتمويل القطاع المدمــــج بصيغة (ما لا يقل عن 12%) بدلاً من تحديد سقف جامد، يُعد “إشارة ذكية” (Smart Signal) نحو تبني منهج الحوافز.
2. التوسع النقدي ضرورة في اقتصاد الطوارئ
تشير هذه السياسات إلى تبني المدرسة التي تدعو إلى التوسع النقدي المدروس. في أوقات الطوارئ والأزمات، يصبح الانكماش النقدي والتشدد الرقابي المفرط عائقاً أمام التعافي. إن التوجه نحو التوسع، عبر تحفيز التمويل الأصغر (الذي يمثل ضخاً للسيولة في قاعدة الهرم الاقتصادي)، هو استجابة ضرورية لتحريك عجلة الإنتاج وامتصاص الصدمات الاقتصادية، مما يعكس وعياً بمتطلبات المرحلة الراهنة.
3. التوازن الدقيق بين المنهج السياساتي والرقابي
قد يكون هذا مؤشر نجاح مبكر للإدارة الحالية في صياغة معادلة صعبة تتمثل في مقاربة التوازن بين:
إن استخدام أدوات “الحدود الدنيا” بدلاً من “القيود العليا” يبشر بممارسة نقدية ناضجة ستحقق متحصلات خلال الثلاثة سنوات القادمة ، تدرك أن دور البنك المركزي في الأزمات يتجاوز “الحراسة” إلى “التمكين”. و هذا التوجه يضع السياسة النقدية السودانية على المسار الصحيح للمساهمة الفاعلة في التعافي الاقتصادي.

