إصلاح هوامش التمويل تبدأ من اعادة دور التمويل كأداة للتنمية لا كآلية دفاع:
(رؤى قرّاء حول أزمة التضخم الجامح وأثرها على التمويل وبعض الحلول).
الحاقا لما سبق أن أوضحته بشأن سلوك تمويلات البنوك في بيئة تضخمية جامحة، وصلتني رؤى قيمة من القراء أتفق معها والخصها هنا. رؤية القراء أنه و في ظل ارتفاع احتمالات التعثر وتراجع القدرة على التنبؤ، لا تبحث البنوك عن تعظيم العائد ولكن إلى حماية رأس المال والحفاظ حد الأدنى من الاستقرار المالي . لذلك يظهر تحول البنوك من التمويل الإنتاجي طويل الأجل إلى التمويل قصير الأجل والتجاري، ومن إدارة العائد إلى إدارة البقاء. هذا التحول ليس خيارًا تفضيليًا، بل وهي استجابة دفاعية لواقع تتآكل فيه القيمة الحقيقية للأموال وتضطرب فيه توقعات السوق والمقترضين معًا. تعميم هذا السلوك، رغم وجاهته الفردية، يفاقم الركود التضخمي ويقصي المنتجين الحقيقيين، في ظل غياب أدوات تحوّط فعّالة مثل سوق السندات، والتمويل طويل الأجل المحمي من التضخم. ويرون أنه لا يمكن تسعير التمويل بعقلية سوق مستقرة داخل اقتصاد يعاني اختلالًا بنيويًا. فمعالجة هوامش التمويل لا تبدأ من البنوك، بل من استعادة الانضباط النقدي، وخفض عدم اليقين، وبناء بيئة تسمح أن يكون التمويل أداة للتنمية لا مجرد آلية دفاع. استمرار هذا النهج في ظل التضخم الجامح يؤدي إلى مزيد من انكماش الاستثمار الحقيقي وتعميق الأزمة، ما يستدعى تدخلات تصحيحية من البنك المركزي لدعم القطاعات الإنتاجية عبر تسعير تفاضلي للتمويل يراعي طبيعة القطاع والغرض الاقتصادي، وتفعيل أدوات محدثة لضمان المخاطر، وتعزيز دور بنك السودان المركزي في الفصل بين التمويل التنموي والسياسة النقدية التقليدية. ويرى القرّاء أن الصورة لا تكتمل دون الالتفات إلى جانب الودائع، إذ يواجه المودعون في بيئات التضخم المرتفع مخاطر تآكل القيمة الحقيقية لمدخراتهم، ما ينعكس سلبًا على حجم الادخار واستقرار الودائع وتدفقاتها. وهو تحدٍ لا يقل خطورة عن مخاطر الائتمان، ويؤثر مباشرة في استدامة الجهاز المصرفي. الخلاصة، التوازن المطلوب لا يتحقق بتوسيع هوامش التمويل وحده، بل بإصلاح يعيد الثقة ويوفّر أدوات تحوّط ويوجّه التمويل نحو قطاعات تحفظ القيمة وتنتجها، وفي مقدمتها الزراعة عبر صيغ مثل السَّلَم والسَّلَم الموازي، في ظل اقتصاد غير مستقر رأس المال والودائع.
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.

