سودانير .. ذاكرة وطن في انتظار قرار شجاع
بقلم ✒️ منير معاوية علي
باحث في العلاقات الدولية
حين نتحدث عن الخطوط الجوية السودانية (سودانير)، فنحن لا نتحدث عن شركة نقل فقط، بل عن قطعة من ذاكرة هذا الوطن، (سودان ايرويز) التي تأسست عام 1946 وبدأت عملياتها في 1947 وهو نفس العام الذي افتُتح فيه مطار الخرطوم الدولي. وقد كان السودان في ذلك الزمان رائداً في مجال الطيران والنقل الجوي، ومطار الخرطوم يومها لم يكن مجرد مدرج وطائرات، بل كان بوابة حديثة بمعايير ذلك العصر، ورمزاً لدولة تتقدم ولا تتراجع. ولم يكن حضور سودانير عالمياً مجرد مشاركة عادية، ففي عام 1959 سجّلت الشركة اسماً في تاريخ الطيران الدولي عندما أصبحت أول خطوط طيران غير بريطانية تهبط في مطار لندن جاتويك، وهو مطار كان يُعد آنذاك واحداً من أهم بوابات أوروبا الجوية وأكثرها حداثة، ما يعكس المكانة التي بلغتها الشركة والسودان في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الطيران المدني.
ومع تعاقب السنين، مرّ الناقل الوطني (سودانير) بمنعطفات أضعفته وأثّرت فيه سلباً، بدءاً من الحصار الأمريكي الجائر الذي استهدف المواطن السوداني أولاً، ثم وصولاً إلى تمرد آل دقلو المشؤوم ومن خلفه قوى البغي والاستعمار الحديث. لقد طال تدمير المليشيا مطار الخرطوم الدولي، وهو منشأة وطنية لا تخص حكومة أو نظاماً، بل شعباً بأكمله. لم يكن الاستهداف للمباني والمعدات فحسب، بل لفكرة الدولة ذاتها. ومع ذلك، فإن إعادة الصيانة والافتتاح الجزئي للرحلات الداخلية، وقريباً الدولية، رسالة واضحة بأن هذا البلد، مهما اشتدت عليه الحروب والمؤامرات، يملك القدرة على النهوض من جديد. غير أن الوقوف وحده لا يكفي؛ نحتاج أن نمشي، ثم نركض.
أجد نفسي أكرر دائماً عبارة قد تبدو موجعة لكنها حقيقية: السودان هو البلد الوحيد الذي ماضيه أفضل من حاضره. وسودانير مثال حي على هذه الحقيقة. في سنوات نشاطها الأولى، كانت الشركة اسماً معتبراً اقليمياً ودولياً، وأسهمت في ربط أفريقيا والشرق الأوسط بالعالم، وكانت جزءاً من صورة بلد محترم يعرف قيمة مؤسساته. اليوم، من غير المنطقي ولا المقبول أن تُختزل هذه المؤسسة التاريخية في حضور رمزي بطائرة واحدة أو نشاط محدود. هذا لا يليق بتاريخها، ولا يليق بالسودان.
الحديث عن سودانير لا ينفصل عن مطار الخرطوم. المسافر السوداني يعرف جيداً ذلك الإحساس المختلط بالحزن والحنين وهو يغادر عبر مطار يحمل تاريخاً كبيراً لكن بإمكانات متواضعة. ومع ذلك، توجد فرص حقيقية للتطوير حتى في المطار الحالي. يجب أن يتم استغلال المساحات الواسعة غير المستغلة التي يمكن أن تتحول إلى إضافة حديثة: مبنى جديد متعدد البوابات والطوابق، خدمات أفضل، ومساحات تجارية تخدم المسافرين، خاصة ركاب الترانزيت الذين كانوا يعانون في فترة اشتغال المطار من ضعف الخدمات. هذا ليس حلماً بعيداً، بل مشروع قابل للتنفيذ بتكلفة معقولة إذا توفرت الإرادة وبشراكة ذكية وأقترح أن يوكل الأمر إلى شركات تركية أو قطرية لما لهم من خبرة واسعة في هذا المجال.
أما سودانير نفسها، فهي تحتاج إلى ما هو أكثر من ترقيع. تحتاج إلى قرار دولة واضح: هذه الشركة يجب أن تعود. ليس عبر شعارات براقة ولا خطب رنانة، بل عبر خطة عملية: إعادة هيكلة حقيقية، شراكات ذكية، إدارة احترافية، وفتح الباب أمام استثمارات مدروسة تحفظ الهوية الوطنية وتبني نموذج تشغيل حديث. شركات كثيرة في العالم مرت بأزمات أقسى ثم عادت أقوى. الفرق دائماً كان في الجرأة على اتخاذ القرار والإهتمام الحكومي الجاد من أعلى هرم السلطة وضخ تمويل مالي كبير يمكن أن يعيد لصقر الجديان السوداني بريقه وتحليقه في سمائات العالم وليعود الشعار المرسوم على الطائرة وهو حرف S مكرر ثلاثة مرات Sudan Sun Shine (السودان الشمس المشرقة).
وأنا أؤمن أن جزءاً كبيراً من الحل موجود في عقول ودماء الشباب. السودان مليء بالمبدعين الذين لم تُتح لها الفرصة الكافية. لدينا مثال قريب في وزارة التحول الرقمي والاتصالات، حيث استطاع الوزير (أحمد غندور) وطاقمه خلال فترة وجيزة إحداث نقلة واضحة بروح جديدة وأفكار غير تقليدية. هذه الروح يجب أن تنتقل إلى مؤسساتنا الكبرى، وعلى رأسها سودانير. لماذا لا يُعقد مؤتمر أو ملتقى برعاية رئيس مجلس السيادة ورئيس الوزراء بعنوان “أفكار عملية لتطوير الخطوط الجوية السودانية”، يجمع ممثلين من الموظفين السابقين والحاليين، والخبراء، وكل من يملك تجربة أو فكرة؟ ويكون ختامه برنامجاً عملياً لبداية التطوير وافتتاح صندوق استثماري للتمويل، إن إعادة بناء سودانير يجب أن تكون مشروعاً وطنياً يشارك فيه الجميع.
سودانير ليست عبئاً على الدولة، بل يمكن أن تكون رافعة اقتصادية وسياحية وسيادية. شركة الطيران الوطنية هي واجهة البلد، وهي أول انطباع وآخر وداع. حين يرى المواطن طائرته الوطنية تعود قوية ومنظمة ومحترمة، يستعيد أمجاد الماضي ويبني المستقبل.
هذا المقال ليس بكاءً على تاريخٍ مضى، بل مطالبة صريحة بصناعة المستقبل المشرق. كل سوداني يعرف تماماً أن هذا البلد يستحق الأفضل، وأن مؤسساته العريقة لا يجب أن تُترك لتتآكل. سودانير كانت فخراً وطنياً، ويمكن أن تعود كذلك إذا تعاملنا معها كقضية دولة لا كملف هامشي.
الكرة اليوم في ملعب من يملك القرار. والتاريخ لا ينتظر طويلاً.

