أهو كلام والسلام
الشفافية بين القول والعمل
فؤاد قباني
في كلِّ زمانٍ يظهر مصطلحٌ يصبح هو النغمة السائدة في الخطاب العام. كلماتٌ تتردد في المنابر والندوات والبرامج السياسية والاقتصادية حتى تكاد تصبح لازمة في كل حديث. وفي هذه الأيام صارت كلمة الشفافية هي المصطلح الأكثر تداولًا؛ يرفعها الجميع شعارًا، ويطالب بها الجميع. ولكن السؤال الذي يظل قائمًا: ما هي الشفافية؟ وهل هي مجرد كلمة جميلة تُقال، أم نظام يُطبَّق؟
يتحدث الناس كثيرًا عن الشفافية المالية، ولكن لكي تتحول هذه الكلمة إلى واقع عملي، هناك أشياء كثيرة يجب مراعاتها. فلكي نطبق الشفافية في القروض يجب أن تُعلَن شروطها الحقيقية وتكلفتها الكاملة، وألا تظل الأرقام حبيسة الأدراج لا يعلم بها إلا القليل.
وفي العطاءات يجب أن تكون المنافسة مفتوحة للجميع وفق معايير معلنة، لا أن يظل الأمر ـ كما يقول الناس ـ “المعروف معروف”.
كما يجب تطبيق الدفع الإلكتروني والشمول المالي، فهما الأساس في أن تكون حركة المال واضحة يمكن تتبعها، بحيث لا يضيع الحق ولا تختفي الأموال في دهاليز الإجراءات.
السودان مليء بالموارد المتنوعة، ولكن لاستغلالها يجب أن يعرف المواطن كيف تُدار ثروات بلده، وكيف تُصرف عائداتها، وألا يكون الحديث عنها عامًا بلا أرقام ولا بيانات، فذلك هو الفساد بعينه.
والدفع الإلكتروني الذي يتحدث عنه الناس اليوم كثيرًا يمكن أن يكون أحد أدوات الشفافية، إن استُخدم في إطار نظام واضح يوثق كل معاملة ويمنع التلاعب.
وقد استطاعت بعض الدول التي خرجت من أزمات مالية خانقة، ومن مستويات عالية من الفساد، أن تجعل الشفافية جزءًا من نظامها الإداري والمالي، مثل الهند وكينيا وغيرها من الدول التي استخدمت التكنولوجيا والرقابة المؤسسية لتضييق مساحات الفساد.
غير أن الشفافية لا تقف عند حدود المال فقط، بل تتعداه إلى الشفافية الإدارية، خاصة في التوظيف والترقيات والسلم الوظيفي. فالمؤسسة التي لا يعرف العاملون فيها كيف يتم التعيين، ولا كيف تتم الترقية، لا يمكن أن تبني الثقة بين إدارتها وموظفيها.
ثم تأتي الشفافية في السلوك والأخلاق في الحياة العامة؛ فالمسؤول الذي يطالب بالشفافية لا بد أن يكون سلوكه الشخصي نموذجًا لها، لأن القدوة الحسنة تسبق اللوائح والقوانين.
وهنا تبرز أسئلة تحتاج إلى إجابة صريحة:
لن تتحقق الشفافية دون قوانين رادعة وواضحة للمحاسبة، ولا تكفي القوانين إن لم توجد مؤسسات رقابية مستقلة. وللإعلام دور مهم في توعية المجتمع وكشف الحقائق.
إن الشفافية ليست كلمة تُقال في الخطب، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي نظام كامل يقوم على الوضوح والمحاسبة وإتاحة المعلومات.
وعندها ستصبح الشفافية ممارسة يومية في المال والإدارة والسلوك، وحينها يمكن أن نقول إننا انتقلنا من مرحلة القول إلى التطبيق.
وإلى أن يحدث ذلك…
يبقى الحديث عنها كثيرًا،
وقد يكون — كما نقول دائمًا —
أهو كلام والسلام.
فالشفافية هى ضوء ينير الطريق ويزيل الشك من النفوس فعلينا أن نبعد نفوسنا عن الحقد والحسد وحب النفس والعمل لرفعة بلدنا فإستووو يرحمكم الله

