آفاق رقمية
الطاقة… وقود الذكاء الاصطناعي
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
قبل سنوات كنا ننظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره خوارزميات وبرامج، ثم أصبحت البيانات والنماذج محور الاهتمام. اليوم تظهر صورة أوسع، فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات ضخمة، ومعالجات متقدمة، وشبكات، وأنظمة تبريد، وقبل ذلك كله يحتاج إلى طاقة مستقرة ومتوفرة على مدار الساعة.
وهذا التحول يعيد تشكيل طبيعة الاستثمار في التقنية ، فالتوسع في الذكاء الاصطناعي أصبح مرتبطا بقدرة الدول على توفير الطاقة، وأصبحت مراكز البيانات جزءا من البنية التحتية للاقتصاد الجديد.
ولعل من أبرز الشواهد والتجارب، نموذج المملكة العربية السعودية في هذا الاتجاه. فقد ارتفعت القدرة التشغيلية لمراكز البيانات في المملكة من 68 ميغاواط عام 2021 إلى 440 ميغاواط عام 2025، ثم إلى 467 ميغاواط في الربع الأول من 2026، مع أكثر من 60 مركز بيانات، وفقا لبيانات وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات التي نشرتها وكالة الأنباء السعودية.
هذه الأرقام تعطي فكرة عن حجم التحول القادم ، فكل مركز بيانات جديد يعني حاجة إضافية إلى الكهرباء والتبريد والاتصالات، وفي المقابل يعني قدرة أكبر على استضافة الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وجذب الاستثمارات، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
وتفتح هذه التجربة بابا مهما أمام السودان، خاصة مع التوقعات بإنشاء مجلس استثماري سعودي سوداني خلال هذا الأسبوع. وأرى أن مثل هذه الشراكة يمكن أن تكون فرصة للنظر إلى الاستثمار في السودان من منظور مختلف، يربط بين إعادة الإعمار وبناء اقتصاد المستقبل. فحل مشكلة الطاقة في السودان بصورة مستدامة لن يعني توفير الكهرباء للمنازل والمصانع والمزارع فقط. الطاقة المستقرة ستصبح أساسا لإعادة تشغيل الاقتصاد، وجذب الصناعات، وتوسيع الخدمات الرقمية، وبناء مراكز البيانات، وتشغيل الحوسبة السحابية، وتهيئة البيئة المناسبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويمتلك السودان مقومات مهمة في هذا المجال، من مساحات واسعة وإمكانات كبيرة للطاقة الشمسية، إلى موقع جغرافي يمكن أن يدعم بناء بنية رقمية تخدم السودان وتمتد إلى أسواق أفريقية أخرى. وإذا اقترنت هذه الموارد بالاستثمار والخبرة والتقنية، يمكن أن تتحول الطاقة من واحدة من أكبر تحديات السودان إلى أحد أهم عناصر قوته الاقتصادية المستقبلية.
والفرصة لا تقتصر على استضافة مراكز البيانات. فتوفر الطاقة والحوسبة يمكن أن يساعد السودان على تطوير حلول ذكاء اصطناعي في الزراعة، والصحة، والتعليم، والخدمات الحكومية، وإدارة الموارد، وتحليل البيانات، مع إمكانية تقديم هذه الحلول للأسواق الأفريقية.
لذلك أرى أن معالجة أزمة الطاقة في السودان يجب أن تصبح جزءا من الرؤية الوطنية للتعافي والتحول الرقمي، وأن ينظر المستثمر إلى الطاقة باعتبارها بنية أساسية لصناعة المستقبل، وليست قطاعا خدميا منفصلا.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى إعادة ما دمرته الحرب، وإنما يحتاج إلى بناء منظومة جديدة تجعل الطاقة أساسا للإنتاج، والرقمنة أساسا للخدمات، والبيانات أساسا للقرار، والذكاء الاصطناعي أداة للنمو.
وقد يكون المجلس الاستثماري السعودي السوداني المرتقب فرصة لفتح هذا الملف بصورة عملية، ودراسة مشروعات استراتيجية في الطاقة الرقمية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي ضمن مشروعات التعافي وإعادة البناء.
فالاستثمار في الطاقة اليوم قد يكون استثمارا في الاقتصاد الرقمي غدا، والاستثمار في البنية الرقمية قد يكون أحد مفاتيح بناء السودان الجديد.
١٥ أغسطس ٢٠٢٦م
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

