“المرأة المتصوفة في السودان: الإرث المنسي”
✒️تأليف: د. عبد الجليل عبد الله صالح
تمهيد: إشكالية الدراسة ومنهجيتها
يمثل كتاب “المرأة المتصوفة في السودان” للدكتور عبد الجليل عبد الله صالح محاولة بحثية جادة ورائدة لاستنطاق جانب مهمل من تاريخ السودان الثقافي والديني، ألا وهو الدور الذي اضطلعت به المرأة في الحركة الصوفية عبر العصور. ينطلق المؤلف من إشكالية مركزية تتمثل في غياب التوثيق المنهجي لإسهامات النساء المتصوفات في المصادر التاريخية التقليدية، والتي جاءت أخبارهن فيها -إن وجدت- مدمجة ضمن سير الرجال (آباء، أزواج، أبناء)، مما جعل هذا الإرث عرضة للنسيان والاندثار. يسعى الكتاب إلى إعادة اكتشاف هذا الإرث من خلال تتبع حضور المرأة في الفضاء الصوفي السوداني منذ مطلع القرن السادس عشر (بداية سلطنة الفونج) وحتى العصر الحاضر.
🔸️يعتمد المؤلف على منهجية متعددة المستويات تجمع بين:
1. المنهج التاريخي التحليلي: عبر استقراء المصادر التاريخية الكلاسيكية، وفي مقدمتها كتاب “الطبقات” لابن ضيف الله، الذي يعد أهم مصدّر لتاريخ التصوف في السودان، بالإضافة إلى مصادر أخرى ككتب التراجم والمناقب.
2. المنهج الأنثروبولوجي الاجتماعي: لتحليل السياقات الثقافية والاجتماعية التي شكلت تجارب النساء المتصوفات، وفهم العادات والتقاليد المرتبطة بحضورهن.
3. الاعتماد على الرواية الشفهية والمقابلات الشخصية: وذلك لتعويض نقص التوثيق المكتوب، وللاقتراب من الذاكرة الشعبية التي احتفظت بسير الكثير من هؤلاء النساء.
4. المنهج الاستقرائي التحليلي: لاستخلاص الأنماط والتصنيفات التي يمكن من خلالها فهم أدوار المرأة المتصوفة المتعددة.
📖الإطار النظري: التصوف والمرأة بين الفلسفة والأخلاق
يؤسس المؤلف لقراءته من خلال مناقشة الموقف النظري للتصوف الإسلامي من قضية المرأة، مفرقاً بين تيارين رئيسيين:
♟️أولاً: التصوف الفلسفي (النظري) الذي يمثله بشكل بارز الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي. يرى هذا التيار أن الرتب الروحية مفتوحة للرجال والنساء على حد سواء، وأن الإنسانية هي الحقيقة الجامعة بين الجنسين، فلا فضل للرجل على المرأة من حيث الدرجة الإنسانية. يذهب ابن عربي إلى أن العشق الإنساني يمكن أن يكون سبيلاً لمعرفة الله، وأن المرأة تمثل النموذج الأعلى للجمال الأرضي، والنظر إلى جمالها بتأمل روحي يقود إلى معرفة الحق. بل إنه يرى في الأنوثة بعداً مقدساً، مستشهداً بتقديم لفظ (الإناث) على (الذكور) في الآية القرآنية “يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور”. وقد طبق ابن عربي هذه الرؤية في حياته العملية من خلال تلمذته على الشيخة فاطمة بنت ابن المثنى القرطبية، وخدمته لها سنين، واعترافه بتفوقها الروحي وولادته الروحية على يديها.
♟️ثانياً: التصوف الأخلاقي (العملي) وهو الأكثر انتشاراً وتأثيراً في الواقع، وقد تبنى إلى حد كبير التصور الفقهي التقليدي للمرأة كرمز للفتنة والغواية، وكعقبة أمام بلوغ الكمال الروحي. ينظر هذا التيار إلى الزواج -حتى وإن كان شرعياً- باعتباره انغماساً في الدنيا قد يحول دون التفرغ للعبادة. ومن ثم، فإن المرأة في هذا التصور تظل كائناً سلبياً ينبغي الحذر منه أو تجنبه لتحقيق الكمال. هذه الثنائية في النظرة الصوفية للمرأة ستنعكس بالضرورة على واقع النساء المتصوفات في السودان، بين من وجدن في التصوف فضاءً للتحقق الروحي، ومن ظللن محكومات بالتصورات الاجتماعية التقليدية.
📖الجذور التاريخية: مكانة المرأة في السودان القديم
◾️يستهل المؤلف رحلته التاريخية باستعراض مكانة المرأة في حضارة كوش ومروي القديمة (القرن الثامن قبل الميلاد – القرن الرابع الميلادي)، ليؤكد أن المكانة المرموقة التي حظيت بها المرأة المتصوفة في العصور الإسلامية ليست وليدة الصدفة، بل تمتد جذورها إلى عمق التاريخ السوداني. ففي الحضارة الكوشية، تعددت مهام المرأة بين الوظائف الدينية (ككاهنة الإله آمون والعازفة الإلهية) والوظائف السياسية والحربية. وتشير اللوحات الأثرية (كلوحة الفيضان للملك تهارقا) إلى مكانة الملكة الأم ودورها الفعال في طقوس التتويج. كما أن النقوش المروية كانت تنسب الشخص إلى أمه قبل أبيه، مما يدل على مكانة الأم في الوجدان المجتمعي. يؤكد المؤلف أن هذه الجذور التاريخية العميقة تفسر جزئياً قدرة المرأة السودانية على الحضور القوي في الفضاء الصوفي لاحقاً، على الرغم من المتغيرات الثقافية والدينية التي طرأت على المنطقة.
♟️المرأة المتصوفة في عصر سلطنة الفونج (1504-1821م)
🔹️يشكل عصر سلطنة الفونج (السلطنة الزرقاء) المرحلة التأسيسية لانتشار التصوف في السودان، وشهد بروز عدد من النماذج النسائية البارزة، والتي اعتمد المؤلف في توثيقها بالدرجة الأولى على كتاب “الطبقات” لابن ضيف الله. يمكن تصنيف حضور المرأة في هذا العصر وفق الأنماط التالية:
1. العالمة الفقيهة (فاطمة بنت جابر): تمثل فاطمة بنت جابر نموذجاً فريداً للمرأة العالمة. هي أخت “أولاد جابر” الأربعة المشاهير، وقد وصفت بأنها “نظيرتهم في العلم والدين”. حفظت القرآن صغيرة وتلقت العلم على يدي والديها وزوجها الشيخ سرحان العودي. لم تكتف بالتعلم، بل أسست أول خلوة نظامية لتعليم النساء في منطقة “قوز العلم” جنوب شندي، وبلغ عدد الدارسات فيها حوالي ألف امرأة من مختلف أنحاء السودان. كانت عارفة بالقراءات، فقيهة على المذهب المالكي، محدثة، وقد خلفت ابناً هو الشيخ صغيرون الذي أصبح علماً من أعلام التصوف. لم يتوسع ابن ضيف الله في سيرتها، وهو ما يعكسه المؤلف بأنه ربما يعود إلى أن العرف جرى على شهرة “أولاد جابر” فطغت شهرتهم على شهرتها.
2. الزوجة العالمة (بتول الغبشا): هي ابنة الشيخ بانقا الضرير (من علماء وأولياء القرن السابع عشر)، وشقيقة الشيخ يعقوب. حفظت القرآن وتفقهت على يدي والدها وأخيها، وأقامت الخلاوي ودرّست العلم. تزوجت من الشيخ “الخفّي” وأنجبت منه الشيخ هجّو “أبو قرون” الذي أصبح أحد أقطاب الصوفية. تمثل بتول نموذجاً للزوجة العالمة التي تنجب وتُربّي ولياً من أولياء الله، كما أن لها دوراً في وقف الأراضي لخدمة العلم. ومن الطريف أن زوجها تزوجها بناءً على مشورة والدها الذي قال له: “أما بتول فأنا أزوجكها على كتاب الله وسنة نبيه”، لتنجب منه هجّو.
3. الأم التي خلفت أباها على سجادة التصوف (عائشة بنت أبو دليق): تمثل عائشة بنت الشيخ علي أبو دليق حالة فريدة في تاريخ التصوف السوداني. فعندما حضرت الشيخ أبا دليق الوفاة، وسُئل من يخلفه من أولاده الذكور، أجابهم قائلاً: “عائشة بنيت”، رغم وجود الذكور في الورثة. تولت عائشة قيادة المسيد والخلوة بعد وفاة والدها، وأدارت شؤون المريدين والضيوف. تزوجت من ابن عمها البدوي، واشتهرت بالصلاح والتقوى والحكمة. اضطر المجتمع الذكوري لاستيعاب هذه الحالة الفريدة بإطلاق اسم زوجها على “نار القرآن” (أي مسجد وخلوة أبي دليق)، مع اعتبارها وقفاً عليها. يرى المؤلف في هذه الحالة دليلاً قوياً على قوة الشخصية النسائية وقدرتها على فرض نفسها في فضاء التصوف رغم كل المعوقات الاجتماعية.
4. المرأة الصالحة المربية (أم مريوم): هي والدة الشيخ حمد ود أم مريوم (مؤسس الخرطوم بحري). لم يتسع ابن ضيف الله في سيرتها، لكن المصادر تشير إلى أنها كانت امرأة متدينة، جمودة للقرآن، صالحة، درست وعلمت الكثير من النساء. وكان لها مكانتها من جهة أبيها وأمها. وقد اشتهر ابنها باسمها (وَدْ أم مريوم) تقديراً لها وإقراراً بدورها في تكوينه وتربيته. يقدم المؤلف الشيخ حمد ود أم مريوم كأحد أبرز المناصرين لتعليم النساء في تاريخ السودان الوسيط، حيث جعل غالبية أتباعه من النساء، وأقام لهن خلوات خاصة على شاطئ النيل الأزرق، ودعا لترك عادة خفاض البنات، مما جعله بحق رائداً في تكريم المرأة وتحريرها من بعض العادات الضارة.
📖المرأة المتصوفة في عصر السلطنة المهدية وحتى منتصف القرن العشرين
شهدت فترة الثورة المهدية (1881-1898) وما بعدها استمراراً وتطوراً لدور المرأة المتصوفة. برز في هذه الفترة عدد من النساء اللواتي تولين التعليم والوعظ والإرشاد، مثل أم كلثوم بنت الشيخ القرشي (ود الزين)، التي أقامت خلوة كبرى لتعليم البنات في الجزيرة، واشترطت على تلميذاتها عدم مغادرتها إلا للزواج، وكانت تزفهن من خلوته إلى بيوت أزواجهن وسط ابتهالات وأهازيج. كما برزت راية بنت أبو زيد والدة الشيخ العبيد ود بدر، التي ربّت ابنها على الزهد والقناعة، وكان هو أول من يعترف بفضلها قائلاً عندما سُئل عن شيخه الذي علمه القرآن: “شيخي أمي، كانت تعلمني القرآن وأنا سارحٌ مع الغنم”. وبرزت أيضاً العزيزة بنت الشيخ عبد الباقي أبو الشول، وآمنة بنت وهب والدة الشيخ أبي القاسم هاشم، التي كانت تجادل زوجها في الفقه.
📍روافد جديدة في القرن العشرين
يخصص المؤلف مساحة مهمة للتيارات الصوفية والتجديدية التي ظهرت في القرن العشرين وأولت المرأة عناية خاصة:
1. الفكر الجمهوري (الأستاذ محمود محمد طه): شرع الأستاذ محمود في التربية السلوكية على النهج الصوفي منذ الخمسينيات، وأسس “بيوت الإخوان الجمهوريين”. بدأ تسليك النساء متأخراً قليلاً عن الرجال، لكنهن التحقن به بأعداد كبيرة منذ منتصف السبعينيات. تميز تسليك المرأة في الفكر الجمهوري بمنحها حرية الخروج للدعوة في الأسواق والجامعات، والمشاركة في كتابة المنشورات. كما أقر النظام حقها في اشتراط عدم تعدد الزوجات عليها في عقد الزواج، واستخدام تفويضها في العصمة إذا لزم الأمر.
2. الشيخ محمد الصابونابي (ت. 1984م) وبناته: يُعد الشيخ الصابونابي من أبرز من اهتموا بتعليم المرأة في القرن العشرين. علم بناته التسع القرآن والعلوم الشرعية، ودفعهن لحفظه ونظم الشعر. برزت منهن الشاعرة العالمة ليلى الشيخ محمد الصابونابي، التي أسست جمعيات لتحفيظ القرآن وإحياء ذكرى المولد النبوي، ودعت لمحاربة العادات الضارة (كـ “الزار” والخفاض الفرعوني)، وشاركت في مؤتمرات داخل السودان وخارجه، ونالت وسام الامتياز من رئيس الجمهورية تقديراً لجهودها.
3. الشيخ عبد الرحيم البرعي (ت. 2005م) ومناصرته لقضايا المرأة: يُعد الشيخ البرعي من أبرز من تصدوا لقضايا المرأة في العصر الحديث. دعا لعقد مؤتمر علمي بالتعاون مع كلية الطب بجامعة الخرطوم لمحاربة العادات الضارة، خاصة الخفاض الفرعوني. كما تبنى فكرة “الزواج الجماعي” لتزويج الأيامى وتخفيف أعباء الزواج عن الشباب، فوصل عدد المتزوجين في آخر زواج جماعي أقامه إلى خمسة آلاف زوجين. نظم في ذلك شعراً بالعامية حث فيه على تزويج الشباب والإنفاق في سبيل الله.
🔸️تصنيف أدوار المرأة المتصوفة
يقترح المؤلف تصنيفاً لأدوار المرأة المتصوفة في السودان يضعها في ثلاث فئات رئيسية، بناءً على طبيعة حضورها وإسهامها:
1. الصالحة: وهي الفئة الأكثر انتشاراً. تضم المرأة العاملة (التي كان لها دور تعليمي أو إداري كعائشة بنت أبو دليق، فاطمة بنت جابر، أم كلثوم بنت القرشي) والمرأة الصالحة من غير العاملة (كأم، زوجة، بنت أو مريدة اكتسبت شهرتها من صلاحها وورعها كأم مريوم وراية بنت أبو زيد). كانت هؤلاء النساء يمثلن النواة الصلبة للمسيد، يقمن بخدمة الضيوف والمريدين، ويرعين شؤون الخلوة، ويشكلن نموذجاً للتربية الروحية.
2. الشاعرة: شهدت الساحة الصوفية السودانية حضوراً لافتاً للشاعرات المتصوفات، اللواتي عبرن عن تجربتهن الروحية وحبهن للنبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته والصالحين من خلال الشعر. من أبرزهن:
· “مِن دامَت” : من تلاميذ الشيخ السماين (ت. 1967م) بشرق سنار، كانت شاعرة مجيدة، نظمت في مدح النبي والتصوف، وتتميز قصائدها بقوة السبك وجزالة الكلمة وصدق العاطفة.
· الشاعرة نفيسة عثمان القويضي (ت. 1999م): لقبت بـ “بِتْ أُميمنة”، وهي من أشهر شاعرات الختمية بالولاية الشمالية. نظمت في مدح النبي ورثاء زعماء الطريقة، ولا تزال قصائدها حاضرة في المحافل الصوفية.
· السارة بنت الشيخ محمد وقيع الله (ت. 2010م): شقيقة الشيخ البرعي، كانت أول بنت تتعلم القراءة والكتابة في الزريبة. كانت شاعرة مجيدة، تحفظ الكثير من الشعر الصوفي وتنظم فيه، وكان لها رأي وفكر. لم يُوثق معظم شعرها للأسف، لكن القليل الذي بقي يدل على تميزها.
· شادية فضل الله عيسى أبو العول (أم القوم): حفيدة الشيخ السماني، شاعرة متمكنة لها ديوان “نفحات الطيب في مدح الحبيب”. نظمت في مدح النبي ورثاء زوجها الخليفة.
· الشاعرات المعاصرات: يوثق الكتاب لنماذج معاصرة من الشاعرات الصوفيات مثل: إبتهاج إبراهيم بشير (الإعلامية والشاعرة)، مي أزهري خير الله، فوزية محمد الهادي، مناهل فضل السيد الزين، وداد الصديق أحمد، تسنيم كباشي مصطفى، وغيرهن، مما يدل على استمرارية هذا التقليد الإبداعي.
3. المادحة: تمثل المادحات صوتاً روحياً في المحافل الصوفية، خاصة في الاحتفالات الدينية (كالمولد النبوي) وحلقات الذكر والمديح. يخصص المؤلف الباب السادس لتوثيق هذه الظاهرة، مركزاً على ثنائي المديح “سيدة وصفية” والمادحة “فيحاء محمد علي” التي تعتبر أول مادحة سودانية تجيز صوتها من المصنفات الفنية، وتكسر احتكار الرجال لهذا الفن. ويشير إلى أن كل مسيد صوفي في السودان تقريباً توجد فيه امراة تجيد فن أداء المديح.
الخاتمة: تقييم تحليلي للكتاب
يمثل كتاب “المرأة المتصوفة في السودان” عملاً تأسيسياً في حقل الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية والدينية في السودان. يمكن تلخيص أهم إسهاماته في النقاط التالية:
1. سد ثغرة معرفية: ينجح الكتاب في تسليط الضوء على جانب مهمل من تاريخ السودان الثقافي، وإخراج النساء المتصوفات من دائرة النسيان إلى دائرة التوثيق والدراسة.
2. تنويع المنهجية: يمثل الجمع بين المصادر التاريخية المكتوبة والرواية الشفهية والمقابلات الشخصية منهجية غنية ومبتكرة، تمكن الباحث من الوصول إلى معلومات لم تكن متاحة في المصادر التقليدية.
3. تقديم تصنيف نظري: يقدم الكتاب تصنيفاً مقنعاً لأدوار المرأة المتصوفة (صالحة، شاعرة، مادحة) يمكن أن يشكل أساساً لدراسات مقارنة أو دراسات أكثر تعمقاً في المستقبل.
4. كشف استمرارية الدور النسائي: يؤكد الكتاب أن دور المرأة في الفضاء الصوفي ليس ظاهرة حديثة أو طارئة، بل هو امتداد لمكانتها في الحضارات السودانية القديمة (كوش ومروي)، مما يعطي عمقاً تاريخياً للظاهرة ويجعلها أكثر رسوخاً.
5. إبراز النماذج القيادية: يكشف الكتاب عن نماذج نسائية قيادية فريدة مثل عائشة بنت أبو دليق التي خلفت أباها على سجادة التصوف، وفاطمة بنت جابر التي أسست أول خلوة نسائية منظمة، مما يدحض الصورة النمطية للمرأة التابعة في التاريخ الديني.
6. ربط الماضي بالحاضر: يقدم الكتاب سلسلة متصلة من النماذج النسائية تمتد من القرن السادس عشر حتى القرن الحادي والعشرين، مما يثبت استمرارية وحضور المرأة في هذا المجال عبر العصور.
◼️ملاحظات نقدية:
· يعتمد الكتاب بشكل كبير على الروايات الشفهية والمقابلات الشخصية، وهي مصادر قد يصعب التحقق من دقتها التاريخية أو تخضع للتحيز والنسيان. كان يمكن للمؤلف أن يضيف نقداً منهجياً لهذا النوع من المصادر.
· يغلب على الكتاب الطابع التسجيلي في بعض أجزائه، حيث يكتفي بسرد أسماء النساء وأدوارهن دون تحليل عميق للسياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بتجاربهن.
· كانت المقابلات مع الذرية (الأبناء والأحفاد) مصدراً رئيسياً للمعلومات، وهذه المصادر قد تكون متحيزة أو مثالية في وصفها للأسلاف.
· يفتقر الكتاب إلى خاتمة تحليلية جامعة تستخلص النتائج الكبرى وتضعها في إطار نظري أوسع يربط الظاهرة السودانية بنظيراتها في العالمين العربي والإسلامي.
رغم هذه الملاحظات، يبقى الكتاب إضافة نوعية للمكتبة السودانية والعربية، ويفتح آفاقاً جديدة للباحثين المهتمين بتاريخ المرأة والتصوف والدراسات الثقافية في المنطقة. إنه بحق “إرث منسي” أعاده المؤلف إلى دائرة الضوء.

