نظرة علي بنك المستقبل وتأثيره في قطاع البنوك السودانية
وليد دليل
خبير مصرفي
أثيرت الكثير من التقارير في أوائل عام 2026 حول ما يُسمى بـ “بنك المستقبل”، وهو كيان مصرفي موازٍ أنشأته ميليشيا الدعم السريع (آل دقلو) في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وخاصة في إقليم دارفور.
إليك أبرز المعلومات المتعلقة بهذا الكيان وفقاً للتقارير المتاحة:
الهدف والنشأة: تم الإعلان عنه كخطوة لإنشاء نظام مصرفي موازٍ وتطبيق إلكتروني للمعاملات المالية في مناطق سيطرة الميليشيا، في محاولة للالتفاف على النظام المصرفي المركزي السوداني.
الاتهامات بالاحتيال: واجه البنك اتهامات واسعة بكونه “فخاً” لنهب مدخرات المواطنين، حيث أفادت تقارير في فبراير 2026 بحدوث انهيار مفاجئ للتطبيق الإلكتروني الخاص به، مما أدى لعجز المودعين عن الوصول لحساباتهم.
الوضع القانوني والمالي: يفتقر هذا الكيان لأي غطاء قانوني أو اعتراف من البنك المركزي السوداني، وتعتبره السلطات الرسمية كياناً غير شرعي. كما تشير المصادر إلى أن الأموال المودعة فيه غير مدعومة باحتياطيات حقيقية وهي عرضة للتجميد أو المصادرة من قبل قيادة الميليشيا في أي وقت.
تقارير الانهيار والسرقة: في أبريل 2026، تداولت مصادر أنباء عن تعرض مقر البنك لعمليات سطو من قبل عناصر تابعة للميليشيا ومرتزقة أجانب، مع غياب كامل للسيولة النقدية أو العملات الصعبة في خزائنه.
بشكل عام، يُنظر إلى “بنك المستقبل” في الأوساط الاقتصادية والقانونية السودانية كأداة لتمويل العمليات العسكرية للميليشيا عبر استقطاب أموال المواطنين دون وجود أي ضمانات
تحليل القدرات التشغيلية لما يسمى بـ “بنك المستقبل” التابع لميليشيا الدعم السريع (آل دقلو) يشير إلى أنه يفتقر للمقومات الأساسية للعمل المصرفي الحقيقي، وذلك للأسباب التالية:
الافتقار للغطاء القانوني والاعتراف: البنك لا يمتلك ترخيصاً من البنك المركزي السوداني، مما يجعله كياناً غير شرعي ومعزولاً تماماً عن النظام المصرفي العالمي (نظام سويفت)هذا يعني عدم قدرته على إجراء أي تحويلات خارجية أو التعامل بالعملات الصعبة بشكل رسمي.
غياب الدورة المالية المتكاملة: يعتمد البنك بشكل أساسي على تطبيق إلكتروني، لكنه يواجه أزمات حادة في “السيولة النقدية” (الكاش). التقارير تشير إلى أن المودعين يواجهون صعوبة بالغة في سحب أموالهم نقداً، حيث تقتصر العمليات غالباً على تحويلات رقمية داخل التطبيق نفسه.
التبعية العسكرية: لا يخضع البنك لرقابة مالية مهنية، بل لسيطرة مباشرة من قيادات الميليشيا. وقد وردت تقارير في أبريل 2026 عن قيام عناصر من الميليشيا نفسها بنهب مقار البنك، مما يعكس غياب الأمان المؤسسي.
مخاطر الاحتيال: تصف الأوساط الاقتصادية السودانية هذا الكيان بأنه “منصة لغسيل الأموال” أو “فخ لجمع مدخرات المواطنين” لتمويل العمليات العسكرية، خاصة مع تكرار حوادث تعطل التطبيق واختفاء الرصيد الرقمي للمشتركين
باختصار، يمتلك البنك قدرة “تقنية” محدودة لإدارة تحويلات داخلية بين الموالين للميليشيا، لكنه يفشل كلياً في تقديم خدمات مصرفية آمنة أو معترف بها للمواطنين.
تحليل تأثير ما يسمى بـ “بنك المستقبل” على الكتلة النقدية في السودان يتركز في عدة نقاط جوهرية، تعكس حالة “الاقتصاد الموازي” الذي تحاول ميليشيا الدعم السريع فرضه:
1. امتصاص السيولة النقدية (الكاش)
يعمل هذا الكيان كأداة لسحب العملة الورقية (الجنيه السوداني) من أيدي المواطنين في مناطق سيطرته وتخزينها لدى الميليشيا. هذا يؤدي إلى تجفيف السيولة في الأسواق المحلية، مما يجبر المواطنين على الاعتماد الكلي على التطبيق الرقمي الخاص بالبنك، والذي لا تتوفر ضمانات لاسترداد أرصدته نقداً لاحقال
2. زيادة التضخم وضغوط العملة
من خلال توفير وسيلة دفع “رقمية” غير خاضعة لرقابة البنك المركزي السوداني، يساهم هذا الكيان في خلق كتلة نقدية وهمية غير مدعومة بإنتاج أو احتياطي ذهب/عملات صعبة. هذا التوسع النقدي غير المنضبط في مناطق واسعة يؤدي إلى:
انخفاض القوة الشرائية للجنيه في تلك المناطق.
زيادة الطلب على العملات الصعبة في “السوق الموازية” لتهريب الأموال المجمعة إلى الخارج.
3. تقويض السياسة النقدية للدولة
البنك المركزي السوداني يفقد القدرة على التحكم في عرض النقود (Money Supply) داخل المناطق التي ينشط فيها “بنك المستقبل”. هذا التمرد المالي يعيق أي محاولات رسمية لاستقرار سعر الصرف أو محاربة التضخم، حيث تنشأ “دورة مالية مغلقة” تخدم المجهود الحربي للميليشيا بعيداً عن الدورة الاقتصادية الوطنية.
4. مخاطر ضياع “الكتلة النقدية المدخرة”
بما أن هذا البنك يفتقر للغطاء القانوني، فإن الكتلة النقدية التي أودعها المواطنون (سواء كانت مدخرات العمر أو أموال تجارة) تعتبر كتلة مفقودة اقتصادياً بمجرد حدوث أي انهيار تقني أو أمني للبنك، كما حدث في تقارير فبراير وأبريل 2026 حول تعطل التطبيق ونهب المقار .
الخلاصة:
تأثير “بنك المستقبل” هو تأثير تدميري للكتلة النقدية؛ فهو يحول مدخرات المواطنين من عملة لها قيمة تداولية إلى “أرقام وهمية” على تطبيق إلكتروني، بينما تذهب السيولة الحقيقية لتمويل العمليات العسكرية وشراء الولاءات
اتخذ البنك المركزي السوداني خلال عامي 2025 و2026 مجموعة من الإجراءات الصارمة لمحاصرة “بنك المستقبل” وأي كيانات مصرفية موازية تابعة للمليشيا، وأبرزها:
إصدار فئات نقدية جديدة (تغيير العملة):
أعلن البنك المركزي عن طرح فئات جديدة من العملة (مثل فئة الـ 1000 جنيه المحدثة) وإلغاء التعامل بالفئات القديمة التي تم نهبها من المصارف والمواطنين في مناطق النزاع .هذه الخطوة تهدف مباشرة إلى تجفيف الكتلة النقدية التي تسيطر عليها المليشيا وفقدان “بنك المستقبل” لقيمة المخزون النقدي لديه.
حظر التطبيقات والتحويلات المشبوهة:
أصدر البنك المركزي توجيهات للمصارف التجارية (مثل بنك الخرطوم وبنك فيصل) بمراقبة وتجميد أي حسابات يثبت تعاملها مع “تطبيق بنك المستقبل” أو استخدامه كمنصة وسيطة .
إصدار تحذيرات قانونية دولية:
خاطب المركزي السوداني المؤسسات المالية الدولية (مثل سويفت وصندوق النقد الدولي) للتأكيد على أن أي كيان مصرفي ينشأ خارج مظلته هو كيان لغسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يمنع “بنك المستقبل” من الحصول على أي اعتراف أو ربط خارجي.
تعطيل المقاصة الإلكترونية في المناطق الساخنة:
تم فصل العديد من السيرفرات والخدمات المصرفية المرتبطة بالمناطق التي تسيطر عليها المليشيا لضمان عدم اختراق النظام المصرفي الموحد وتغذية تطبيقات غير شرعية بأرصدة وهمية.
الملاحقة القضائية:
تم فتح بلاغات جنائية ضد القائمين على إدارة هذا الكيان بتهمة تقويض الاقتصاد الوطني وانتحال صفة مؤسسة مالية سيادية.
النتيجة: أدت هذه الإجراءات إلى فقدان الثقة السريع في “بنك المستقبل”، وساهمت في التقارير التي تحدثت عن انهيار التطبيق في فبراير وأبريل 2026، حيث وجد المودعون أنفسهم يحملون أرقاماً إلكترونية لا قيمة لها في النظام المصرفي الرسمي.

