منحني التكلفه الإنتحاري للبنوك السودانيه
وليد دليل
خبير مصرفي
في السياق المصرفي السوداني، لا يعتبر “منحنى التكلفة الانتحاري” مصطلحاً أكاديمياً ثابتاً، بل هو تعبير تحليلي يُستخدم لوصف الحالة التي تصل فيها تكلفة الحصول على الأموال (الودائع) وتكاليف التشغيل إلى مستويات تتجاوز العائد من التمويل، مما يؤدي بالبنك إلى “تآكل ذاتي” لرأس ماله.
في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة في السودان، يتجسد هذا المفهوم من خلال عدة عوامل ضاغطة:
انفجار تكلفة الأموال: بسبب التضخم المرتفع (الذي وصل لمستويات قياسية تجاوزت 100%)، تضطر البنوك أحياناً لتقديم هوامش ربح عالية جداً لجذب المودعين، وهذه “التكلفة” تصبح انتحارية إذا لم يجد البنك قنوات استثمارية آمنة تدر عائداً أعلى.
الفجوة بين التكلفة والعائد: نتيجة للحرب وتوقف عجلة الإنتاج، ارتفعت نسبة الديون المتعثرة بشكل حاد. عندما يستمر البنك في دفع تكاليف إدارية وتشغيلية (مثل رواتب وتأمين وتقنيات) بينما تتوقف عوائد القروض، ينحني منحنى التكلفة صعوداً بشكل رأسي، مما يجعله “انتحارياً” للمؤسسة المصرفية.
تآكل القوة الشرائية للأصول: الانخفاض المتوالي في قيمة العملة المحلية يجعل تكلفة الاحتفاظ بالأصول النقدية عالية جداً (خسارة مستترة)، وهو ما يُعرف في الأدبيات بـ “تكلفة الفرصة البديلة الضائعة” التي تضغط على ميزانيات البنوك السودانية.
الفشل في اختبارات الضغط (Stress Testing): تشير تقارير اقتصادية حديثة إلى أن القطاع المصرفي السوداني واجه صعوبات في تجاوز اختبارات الضغط نتيجة الصدمات المفاجئة، مما جعل هياكل التكاليف الحالية غير مستدامة.
باختصار، المنحنى “الانتحاري” في السودان هو المسار الصاعد للتكاليف الثابتة والتمويلية في وقت تنهار فيه المداخيل، مما يؤدي إلى استهلاك حقوق المساهمين والوصول لمرحلة الإعسار.
تبحث البنوك السودانية حالياً عن “نقطة تعادل” شبه مستحيلة؛ فالتضخم الجامح (Hyperinflation) لم يعد مجرد مؤشر اقتصادي، بل تحول إلى قوة تأكل هوامش الربح من عدة اتجاهات:
1. تآكل “هامش الربح الحقيقي”
تعتمد البنوك السودانية على صيغ التمويل الإسلامي (مرابحة، مشاركة). عندما يبلغ التضخم مستويات ثلاثية (أكثر من 100%)، فإن الأرباح التي يحققها البنك من عملية تمويل تمت قبل عام تصبح قيمتها الشرائية عند السداد أقل بكثير من قيمة المبلغ الأصلي وقت منحه. هذا يعني أن العائد الاسمي قد يكون موجباً، لكن العائد الحقيقي سالب، وهو ما يسمى “انتحار رأس المال”.
2. سباق “تكلفة الأموال” (Cost of Funds)
للحفاظ على المودعين ومنعهم من الهروب نحو العملات الأجنبية أو الذهب، تضطر البنوك لرفع نسب توزيعات الأرباح على الودائع الاستثمارية. هذا يرفع “تكلفة الأموال” على البنك، وإذا لم يستطع البنك تمرير هذه الزيادة إلى المستفيدين من التمويل (بسبب ضعف القوة الشرائية أو الركود)، يضيق هامش صافي الربح حتى يتلاشى.
3. انفجار التكاليف التشغيلية (OPEX)
البنوك مؤسسات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا والكوادر البشرية والطاقة:
الأجور: تضطر البنوك لرفع الرواتب بشكل متكرر لمواكبة غلاء المعيشة.
التقنية والصيانة: أغلب البرمجيات والأنظمة المصرفية تُسعر بالدولار، ومع تدهور الجنيه، تقفز تكاليف التشغيل والاشتراكات السنوية لمستويات خرافية.
تأمين الأصول: ترتفع بوالص التأمين على الخزائن والفروع مع زيادة المخاطر، مما يضغط أكثر على المصروفات.
4. مخصصات الديون المتعثرة (NPLs)
في بيئة تضخمية يصحبها ركود اقتصادي (تضخم ركودي)، يعجز الكثير من المقترضين عن السداد. يفرض البنك المركزي على البنوك تجنيب “مخصصات” لمواجهة هذه الديون. هذه المخصصات تُقتطع مباشرة من الأرباح، مما يؤدي في النهاية إلى تحويل منحنى الربحية إلى منحنى خسائر حاد.
الخلاصة: التضخم في السودان جعل “منحنى التكلفة” ينمو بشكل أسي (Exponential)، بينما “منحنى العائد” ينمو بشكل خطي بطيء أو ينكسر، مما يضع البنوك في مواجهة مباشرة مع خطر الإعسار.

