*رفع الدولار الجمركي 471%: من وزارة مالية إلى وزارة جباية*
*بقلم: عثمان حلمي نص أمدرمان*
رفعت وزارة المالية قيمة الدولار الجمركي من 564 قبل الحرب إلى 3222 جنيهاً، بنسبة زيادة تفوق 471%. هذه القفزة الحادة لم تُبنَ على تقييم موضوعي للنظام الجبائي ولا على دراسة مدى ملاءمته لتحقيق التوازن المالي (Fiscal Balance)، والنجاعة الاقتصادية (Economic Efficiency)، والعدالة الضريبية، كما تجاهلت أدوات التحليل الأساسية مثل مصفوفة مقارنة الأسعار (Price Comparison Matrix) ومؤشرات التضخم المستورد (Imported Inflation Indicators).
وقد أحدث القرار صدمة مالية انعكست مباشرة على الاقتصاد الكلي والمجتمع، وأفرز سلسلة من الآثار السلبية:
– تضخم تكاليف الاستيراد وارتفاع أسعار السلع الأساسية والدواء ومدخلات الإنتاج الصناعي والزراعي، مما يثقل كاهل المواطن ويقيد قدرة المنتج المحلي.
– تفاقم التضخم الركودي، حيث يتزامن الغلاء مع تراجع النشاط الإنتاجي، في مشهد يضعف النمو ويزيد البطالة.
– انكماش الاستيراد بما يقلص الإيرادات الجمركية نفسها ويضعف قاعدة الممولين الضريبيين، أي أن القرار يقوض أهدافه المالية.
– ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج نتيجة زيادة أسعار الوقود والمدخلات المستوردة، وهو ما يضعف تنافسية الصناعة الوطنية ويعزلها عن الأسواق الإقليمية.
في الواقع، كان من الأجدر تخفيض الدولار الجمركي لا رفعه، وذلك لتحسين الأداء الاقتصادي وتشجيع الاستيراد في ظروف تتطلب تحفيز عودة النشاط التجاري والاستثماري إلى السودان، بما يعزز الثقة ويشجع عودة رؤوس الأموال والكوادر المهاجرة وعودة اللاجئين.
إن معالجة الأزمة المالية لا تكون بقرارات جبائية صادمة، بل عبر بدائل أكثر استدامة، منها:
– التوسع الأفقي في الوعاء الضريبي بإدخال شرائح جديدة من الممولين، بما يحقق عدالة أوسع.
– مكافحة التهرب الضريبي باستخدام الرقابة الحديثة والربط الإلكتروني للمعاملات.
– تحفيز الإنتاج المحلي عبر سياسات صناعية وزراعية تقلل الاعتماد على الاستيراد وتعيد التوازن للاقتصاد.
سياسياً–اقتصادياً، تحولت وزارة المالية إلى وزارة “جباية” هدفها مقابلة استحقاقات الحرب واتفاق سلام جوبا (تحصيل ذاتي)، دون اعتبار للعدالة الاجتماعية أو التوازن الكلي. والحقيقة أن أي سياسة مالية أو اتفاقيات تنموية – مثل مشاريع الكهرباء مع الصين وغيرها – ستظل محدودة الأثر في ظل غياب الاستقرار السياسي، إذ لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن ينجح في بيئة مضطربة وممزقة.
يا د. جبريل، إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من حسم النزاع عبر حل سياسي تفاوضي يضمن إنهاء الحرب ويحقق الاستقرار، ويعيد انسياب التمويل الخارجي، ويؤسس لاقتصاد متوازن وعادل. فبدون استقرار سياسي ستظل كل السياسات المالية مجرد جبايات مؤقتة تزيد الأعباء ولا تحقق التنمية.

