بحثاً عن العقل الواعي: حرب الكرامة من بداية التمرد إلى دحر المؤامرة , كيف تحولت من صراع عسكري إلى معركة وعي؟
بقلم : منير معاوية علي
باحث في العلاقات الدولية
تمر علينا اليوم ذكرى بداية التمرد الذي عاش فيه السودانيون والمقيمون في السودان أياماً سوداء, تلك الفترة التي بدأت صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023، حين خرج التمرد إلى العلن, بعد تخطيط وتدبير ودعم خارجي بحيث لم يكن وليد الصدفة أو اللحظة بل كمشروعٍ مكتمل الأركان استهدف الدولة في مركزها, واستهدف الإنسان في كرامته قبل أن يستهدف الأرض والمنشآت.
ما حدث في ذلك الصباح لم يكن مجرد اشتباك عسكري, بل محاولة واضحة لإسقاط الدولة السودانية والاستيلاء على السودان البلد الطيب عبر اغتيال رئيس مجلس السيادة وكبار قادة الجيش، وضرب مؤسساته الحيوية، وبث الرعب في نفوس مواطنيه الكرماء. استُهدف المطار, وتعطلت مرافق الحياة, وتحولت العاصمة إلى ساحة فوضى, ودَفع المواطن البسيط الثمن الباهظ لهذه الحرب الوجودية. لم يكن هناك تمييز بين مدني وعسكري, ولا بين منشآت عسكرية أو خدمية أو منازل مواطنين, بل كان الاستهداف شاملاً، لأن الغاية هي كسر إرادة مجتمع كامل.
منذ اللحظة الأولى, حاول المتمردون أن يلبسوا هذه الحرب ثوباً زائفاً و يقدموها للعالم بغطاءٍ سياسي زائف, تحت شعارات لا تصمد أمام الواقع. لكن ما جرى على الأرض كشف الحقيقة سريعاً, نهبٌ منظم, اقتحام للمنازل, إذلال للمواطنين, وفرض واقعٍ قائم على السلاح لا على القانون. امتدت هذه الممارسات عبر الخرطوم وبحري وأمدرمان وأمبدة وشرق النيل وجبل أولياء, وانتقلت للولايات الجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق وكردفان ودارفور حتى أصبح المشهد أقرب إلى انهيارٍ متعمد لمفهوم الدولة نفسها.
ولمن يتابع بدقة, لم يكن ذلك اليوم هو البداية الحقيقية, بل كانت هناك مؤشرات سبقت الانفجار. تحركات عسكرية ضخمة وغير مبررة من المتمردين الذين كان اسمهم حينذاك (الدعم السريع), وحشود خرجت من دارفور باتجاه الشمال دون تنسيق أو إذن, ومحاصرة لمطار مروي قبل أيام من 15 أبريل 2023. ومعلوم أنه في القانون والعرف العسكري, هذه ليست تفاصيل عابرة, بل إشارات واضحة على تمرد مكتمل النية, وأذكر تماماً ما قاله أحد أبطال معركة الكرامة سعادة اللواء ركن نادر المنصوري قائد الحرس الرئاسي السابق, في مخاطبته لجنوده البواسل الذين منهم من قضى نحبه شهيداً ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا, إذ أوضح في تسجيلٍ ظهر بعد فترة من اندلاع الحرب أن جميع مؤشرات التمرد كانت واضحة وماثلة, وقد كانت المخاطبة قبل اندلاع الحرب. وقد قام أفراد الحرس الرئاسي بواجبهم على أكمل وجه وفدوا رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة بأنفسهم ,أسأل الله العلي القدير أن يتقبل شهدائهم ويشفي جرحاهم ويحفظ ويقوي مقاتليهم.
لكن قراءة هذه الحرب تظل ناقصة إن حُصرت داخل الحدود, تشير المعطيات والدلائل بوضوح إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة تُعد الطرف المعتدي في هذه الحرب, وذلك استنادًا إلى دلائل وبراهين دعمتها تقارير صادرة عن الأمم المتحدة. كما أفادت تقارير صحفية دولية بوجود تورط إماراتي في تقديم دعم عسكري ولوجستي مستمر للتمرد, وهو ما تناولته كل من صحيفة الغارديان البريطانية وصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية بشكل واضح.
وأشير هنا إلى أن الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قد طالب بفتح تحقيق دولي بعد مقتل أكثر من 40 مرتزق كولومبي في السودان كانت الامارات قد تعاقدت معهم للعمل في شركات أمنية إماراتية.
رغم قسوة السنوات الثلاث التي تلت ذلك اليوم، إلا أنها كانت كفيلة بإحداث تحول عميق في وعي الناس. لم تعد الصورة ضبابية كما كانت في البداية, ولم يعد من السهل خداع الشارع بالشعارات. تعلّم السودانيون, بثمنٍ باهظ, كيف يميزون بين من هو العدو ومن هو الصديق والصليح , ومن مد أياديه بيضاء من غير سوء أو منٍ أو أذى ومن استغل هذه الحرب استغلالاً سيئاً راقصاً على دماء وآلام الشعب السوداني.
هذه الحرب، بكل ما حملته من ألم, أعادت تشكيل العلاقة بين الشعب والدولة. لم يعد المواطن مجرد متفرج, بل أصبح جزءاً من معركة الدفاع عن الكيان نفسه بمقاومة شعبية صامدة ومتوكلة على الله عز وجل. وفي المقابل, أثبتت المؤسسة العسكرية العريقة أنها صمام الأمان وأنها قادرة على الصمود, وعلى استعادة زمام المبادرة, حتى تم حصر التمرد في نطاقات محدودة بعد أن كان يهدد البلاد بأكملها.
الانتصار هنا لا يُقاس فقط باستعادة الأرض, بل باستعادة الوعي. فالدول لا تنهار فقط بالسلاح, بل أيضاً بالجهل وسوء التقدير. وما حدث خلال هذه السنوات الثلاث هو انتقال جماعي من مرحلة الثقة العمياء إلى مرحلة الفهم الحذر. لم يعد مقبولاً أن تُدار علاقات السودان بعفوية, ولا أن تُبنى سياساته على حسن النية وحده.
اليوم، يقف السودان أمام مرحلة جديدة, عنوانها الأهم هو إعادة ترتيب الأولويات. لا مجال للعودة إلى ما قبل أبريل 2023، لا في التفكير ولا في إدارة الدولة. المطلوب ليس فقط إعادة الإعمار, بل بناء عقل سياسي جديد, يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار, ويتعامل مع الداخل والخارج بميزان دقيق.
ثلاث سنوات كانت كافية لتكشف الحقائق, لكنها أيضاً كافية لتفتح باباً مختلفاً للمستقبل. السودان الذي عانى, قادر على النهوض, لا بشعارات رنانة، بل بخطوات واضحة تبدأ من فهم ما حدث, وعدم تكراره والانطلاق بقوة نحو المستقبل.
ثلاثُ سنواتٍ تعلّمنا فيها الكثير، وأنا على يقينٍ بأننا سنتقدّم وننهض لنكون في مقدّمة الأمم. وسنعكس المقولة التي طالما رددتُها بأنّ السودان هو الدولة الوحيدة التي كان ماضيها أفضل من حاضرها، لنصل إلى واقعٍ جديد نُثبت فيه أنّنا دولةٌ متقدّمة، بدأنا من حيث انتهى الآخرون.
المعركة الان ليست معركة سلاح فقط, بل معركة وعي وفكر, وسنحقق فيها نحن بني السودان شعار دولتنا (النصر لنا).

