السودان بين الإغاثة والتنمية (3): التعافي الصغير.. الحل الكبير لأزمة السودان
أميمة عبد الله
خلال عشر سنوات من التنقل في مناطق النزاع، ترسخت لدي قناعة أن السودان – على تدفق خيراته – يعيش أهله الفقر، وأنهم على فقرهم قادرون على التعايش، ويمتلكون قدرة على التكيّف تجعلهم قادرين على انتظار تحقيق حلمهم بالاستقرار.
في ذهني صورٌ لا تُنسى، وجوه لأسر وأشخاص التقيتهم في طريق نزوحهم، خيام عشتُ معهم تفاصيلها، حكايات أحزان بدأت بالحرب ولم تنتهِ بعد.
لقد أتاح ليّ العمل الإنساني أن أتعرف على السودان من الداخل وعلى الناس والمكان لا كأرقام بل كحياة كاملة تشكلت تحت الفقد والفقر والنزوح.
السودان ليس استثناءً، حكاية لا تنفصل من حكايات شعوب سارت على ذات الطريق الموغل في الوعورة، خرجت منها حين عرفت كيف تبدأ من جديد، من القاعدة، من الناس، وبسلسلة إجراءات للتعافي طويلة إلا أنها مثمرة، دول سبقتنا في الدخول في حروب داخلية وموجات نزوح كبيرة، خرجت منها لأنها نجحت في إدارة أزمتها، بدأت من القاعدة إلى الأعلى، أعانت مواطنيها ومكنتهم من العودة إلى مناطقهم.
مع أننا مازلنا نعيش الحرب، إلا أن ما يحدث الآن مختلف، بدأ السودانيون في بعض المدن التي هجروها يعودون إلى بيوتهم، ومازالت رغبة العودة القوية مستمرة، ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن المكان لم يعد يهددهم.
استعادة البيوت ليس بترميمها فحسب بل بإحساس الأمان والاطمئنان، بدأوا يستعيدون حياتهم القديمة من خلال أعمال صغيرة وبالعودة إلى ممارسة عادات بسيطة ذات معنى كبير لديهم، الجلوس أمام البيوت عصراً وفتح الدكاكين الصغيرة داخل الأحياء، وعاد الصغار للعب كرة القدم في الميادين، عادت مظاهر الحياة العادية، لأن الانسان على أي حال يحتاج إلى بيتٍ يأويه واستقرار يطمئنه.
على الرغم من العودة إلا أن الواقع ما زال هشا، وأن الاعمال الصغيرة مازالت مهددة، وأثار الحرب مازالت حاضرة، وأن معسكرات النزوح مازالت على أطراف المدن، وأن هذه المحاولات الفردية للاستقرار تضع الدولة أمام مسؤولية حمايتها حتى لا تحدث انتكاسة جديدة، وتحويل هذه المحاولات الفردية إلى مسار عام يعيد بناء حياة الناس من جديد، كيف يمكن حماية هذه الأعمال الصغرة والبدايات؟
إن الحديث والاجتماعات المستمرة عن خطط الإعمار وكبرى المشروعات واللجان التي تعمل على وضع دراسات وتصميم خطة إعمار طويلة المدى لن تضمن لنا بأي حال إعادة الحياة وحماية المجتمع كما أنها لن تمثل الحل المثالي لما يحدث الآن على الواقع.
إن الدولة بحاجة ماسة الآن للبدايات الصغيرة لتحريك الاقتصاد المحلي وفتح البيوت.
هنا أحاول التحدث عن فكرة التعافي الاقتصادي الصغير ليس كمفهوم نظري بل كواقع يحتاجه الناس لتأمين معاشهم، فالناس لن تنتظر خططا كبرى يعطل تنفيذها عدم الاستقرار السياسي ولا مشاريع ضخمة يستغرق انشاؤها عدة سنين، الناس لا تملك رفاهية الانتظار، هي بحاجة إلى العودة.
الدكاكين الصغيرة التي فُتحت في الأحياء وورش الحدادة والزراعة المحدودة وتربية الدواجن وفتح المطاعم، تعني البداية الفعلية بما هو متاح ولا يمكن أن ننظر لها كتفاصيل عابره، بل هي نواة اقتصاد حي وحراك محلي ضروري يمكن أن ينمو إذا دعمته الدولة بإجراءات تمكنه من الاستمرار، تسهيل إجراءات ترخيص، حماية الأسواق من الانهيار، دعم المبادرات المجتمعية، إن التعامل مع الأعمال الصغيرة باعتبارها مصدر إيراد جديد للدولة أمر يخنقها بدل أن يجعلها تنمو، و دور الدولة هو حماية هذه الأعمال وتمكينها.
إن تشغيل هذه الأعمال الصغيرة يمكنها أن تعيد الدخل اليومي للناس العاديين في الأحياء والقرى والأسواق المحلية، وذلك هو بداية التعافي الاقتصادي، تعافي صغير إلا أنه كافي لتشغيل الحياة الاقتصادية.
لقد تمكنت رواندا بعد الإبادة الجماعية من انقاذ مجتمعها المنهار بالمشاريع المنزلية الصغيرة والتعاونيات، خلقت دخلا سريعا للأسر مكنها من مرحلة النمو الأكبر لاحقاً
كذلك أوغندا بتربية المواشي والزراعة الصغيرة وأنشطة التمويل الأصغر ودعم التجارة المحلية البسيطة كلها مشروعات اقتصادية مثلت عودة تدريجية للاستقرار.
تجارب دول مختلفة مثل رواندا والبوسنة وسيراليون أظهرت أن التعافي ليس بالضرورة أن يبدأ بالمشاريع الكبرى، دول كلها اشتركت في شيء واحد .. أنشطة صغيرة أعادت الدخل ثم مهدت للتنمية.
إننا في السودان نحتاج إلى توفير الحد الأدنى من الاستقرار المؤسسي لحماية الأنشطة الاقتصادية ودعمها حتى تنجح البدايات وتستمر المبادرات المجتمعية.
خطوة نحو الأمام تعيد للناس قدرتهم على الكسب وهو بداية بناء المستقبل مقابل الاعتماد على الإغاثة والتي تعني طعاما ومأوى لبقاء مؤقت.
التحدي الحقيقي الذي يواجهنا الآن ليس في قدرة الناس على العودة بل غياب البيئة التي تمكن هذه القدرة على الاستقرار.

