ويبقى المواطن شاهداً على المرحلة الأصعب
كتبت / إيثار عبدالحميد
في كل مرة يظن فيها المواطن السوداني أن الحياة بدأت تعود إلى مسارها الطبيعي، تأتي صفارات الإنذار أو أصوات المسيرات لتذكره بأن الطريق إلى الاستقرار ما زال طويلاً ومليئاً بالتحديات، ومع ذلك يواصل الناس محاولاتهم اليومية لصناعة حياة تشبه ما كانت عليه البلاد قبل الحرب، الأسواق تعود تدريجياً، الأحياء تستعيد بعض الحركة، والناس يبحثون عن بصيص أمل وسط تفاصيل مرهقة لا تنتهي
يدخل العيد هذا العام والسودانيون يحملون مشاعر متناقضة، فرحة النجاة من مرحلة كانت هي الأصعب، يقابلها قلق دائم من هشاشة الواقع وتكرار التهديدات الأمنية، لم يعد السؤال هل انتهت الأزمة، بل أصبح كيف يمكن للناس أن يعيشوا بصورة طبيعية في ظل واقع غير مستقر وخدمات بالكاد تصمد أمام الضغوط
ورغم أن القوات المسلحة تجاوزت كثيراً من المنعطفات العسكرية المعقدة، إلا أن المواطن ما زال يواجه معركته الخاصة مع الكهرباء والمياه والصحة والمواصلات، فالحروب لا تُقاس فقط بما يحدث في الميدان، وإنما أيضاً بما تتركه من آثار على تفاصيل الحياة اليومية، هنا يظهر التحدي الحقيقي، كيف يمكن إعادة بناء الإحساس بالأمان قبل إعادة بناء الجدران
المشهد اليوم يكشف عن صمود استثنائي للمواطن السوداني، الذي أثبت مرة أخرى أنه الطرف الأكثر تحملاً للأزمات، الناس عادوا إلى أعمالهم، فتحوا متاجرهم، حاولوا ترميم ما أفسدته الحرب، وخلقوا من المعاناة قدرة مذهلة على الاستمرار، لكن هذا الصمود، مهما كان عظيماً، لا يمكن أن يظل بديلاً دائماً عن دور الدولة
ورغم الامتنان لكل ما تحقق حتى الآن، ولكل جهد ساهم في عبور البلاد من أخطر المراحل، إلا أن القادم ما زال يحمل كثيراً من الأسئلة المفتوحة، فالمواطن يعيش بين رغبة حقيقية في الاطمئنان، وخوف مشروع من مستقبل لم تتضح ملامحه بالكامل بعد
ومن أبرز ملامح الواقع المعاش اليوم
تحديات مستمرة في استقرار خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات
ارتفاع تكاليف المعيشة بصورة أرهقت الأسر البسيطة
بطء عودة المؤسسات الخدمية إلى كفاءتها الطبيعية
قلق المواطنين من تكرار التهديدات الأمنية وتأثيرها على الحياة اليومية
الحاجة إلى خطاب حكومي أكثر قرباً من هموم الناس وواقعهم
تزايد أهمية المبادرات المجتمعية في سد فجوات الخدمات والدعم الإنساني
أما المرحلة القادمة فتحتاج إلى خطوات واضحة تتجاوز مرحلة رد الفعل إلى بناء رؤية حقيقية للاستقرار، تبدأ بإعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة بيئة آمنة لعودة المواطنين، وتحريك عجلة الاقتصاد، وفتح مساحات أكبر لمشاركة الشباب والكفاءات الوطنية في صناعة المستقبل
الناس اليوم لا ينتظرون المعجزات، بقدر ما ينتظرون مؤشرات حقيقية تمنحهم شعوراً بأن البلاد تتحرك نحو التعافي بثبات، وأن تضحيات المرحلة الماضية لن تضيع وسط التعقيدات السياسية والإدارية
العيد هذه المرة ليس مجرد مناسبة اجتماعية، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع والدولة على استعادة الإحساس بالحياة، وبين أصوات التكبير وأصوات المسيرات، يبقى المواطن السوداني متمسكاً بأمله القديم، أن يأتي يوم يصبح فيه الاستقرار خبراً عادياً، لا حلماً مؤجلاً .

