*تنقلات مدراء البنوك.. دماء جديدة أم ترميم لوجه مصرفي أنهكته الحرب؟*
*خاص : مجلة حواس الاقتصادية*
*طارق شريف ساتي*
شهد القطاع المصرفي السوداني في الأيام الماضية حركة تنقلات لافتة بين مدراء البنوك. وقد تبدو للوهلة الأولى مجرد تبديل مواقع إدارية، لكنها في الحقيقة نبض حياة جديد يضخه الجهاز المصرفي الذي صمد صموداً بطولياً في وجه الحرب، رغم ما لحق به من خراب ونهب وحرق ممنهج للفروع على يد المليشيا.
والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن بنك السودان المركزي أدار هذا الملف بحزم ومرونة تحسب له، فلم يتردد في إجازة تعيينات جديدة وإعادة ترتيب البيت المصرفي في توقيت بالغ الحساسية.
*شبيكة.. مغامرة محسوبة*
انتقال الأستاذ أمين شبيكة من دفة بنك فيصل الإسلامي إلى قيادة البنك السوداني الفرنسي يحمل في طياته أكثر من قراءة. فالبعض يراه تراجعاً من بنك راسخ بحجمه السوقي إلى بنك أقل. لكني أراه مغامرة محسوبة وفرصة ذهبية. فالبنك الفرنسي يحتفظ بأصول ضخمة ويملك بنية يمكن البناء عليها، خصوصاً بعد تشكيل مجلس إدارة جديد يضم كفاءات متنوعة وعلى رأسهم الأستاذ عبد العظيم محمد خير . البنك السوداني الفرنسي ما ينقصه اليوم ليس المال، بل العقل الإداري والخطوات التنظيمية الجريئة، وهذا ما يجيده شبيكة.
*إنصاف متأخر خير من ظلم مستمر*
أما قرار محافظ البنك المركزي الأستاذة أمنة ميرغني بحسم ملف بنوك الدعم السريع، فهو خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح. وقد تم تعيين د. عماد ميرغني الناير مديراً لبنك الخليج قادماً من بنك أمدرمان الوطني، أما تعيين الأستاذ عصام فضل مديراً لبنك الثروة الحيوانية فهو إنصاف طال انتظاره. عصام مصرفي صاحب خبرة كبيرة، وفصله السابق من البنك الإسلامي بقرار من البنك المركزي كان قراراً مجحفاً كتبت ضده في حينه.
وهنا أجدد المناشدة بإعادة الأستاذ محمد أحمد الأمين، المدير العام السابق لمصرف السلام، إلى الجهاز المصرفي. فالرجل سيرته المهنية نظيفة وإنجازاته في السلام تتحدث عنه. ومكانته اليوم شاغرة في القطاع، وأكثر من مصرف يتمنى أن ينال من خبرته. وأنا على ثقة أن محافظ البنك المركزي ستواصل مسيرتها في تصحيح الأخطاء وإنصاف الكفاءات.
*اختيارات موفقة وتوقيت مهم*
مصرف السلام أحسن الاختيار بتعيين الأستاذ الطيب إبراهيم، وهو اسم غني عن التعريف في الوسط المصرفي. كما أن تعيين د. منتصر العاقب مديراً للبنك الإسلامي السوداني جاء في محله، فالرجل صاحب تأهيل عالي وملم بأعماق العمل المصرفي الإسلامي.
ومن الاختيارات الموفقة أيضاً اختيار الأستاذ عبد الحافظ فهمي مديراً عاماً لبنك البركة، وهو ابن البيت وتدرج في المناصب حتى وصل لمنصب المدير عن استحقاق.
وفي دوائر بنك الساحل والصحراء، وكداعم للمرأة، سعدت لاختيار د. مريم عمر مديراً لمصرف الساحل والصحراء. فتمثيل المرأة في الوظائف القيادية بالمصارف مهم وحيوي وضروري.
*اختيارات سابقة.. إنجازات لا تُنكر*
ولا يمكن الحديث عن إعادة تشكيل الجهاز المصرفي دون استدعاء من التعيينات الجديدة نسبياً والتي أثبتت جدارتها على الأرض. فاختيار الأستاذ صلاح محمد عبد الرحيم مديراً للبنك الزراعي السوداني جاء في وقت حرج. الرجل عمل على ترتيب البيت الداخلي و ابتكر فكرة تطوير علاقات البنك الخارجية وكانت واحدة من الانجازات المهمة زيادة رأس المال البنك الزراعي التي كانت ثمرة للتعاون مع بين اللجنة الإدارية للبنك التي يقودها الخبير د. عادل التجاني ووزارة المالية وبنك السودان المركزي والإدارة التنفيذية للبنك الزراعي .
كذلك تجربة د. أحمد الصديق جبريل في بنك النيل تستحق الوقوف عندها. فإنجازاته واضحة في توسيع القاعدة الرقمية للبنك والانفتاح على الولايات وقد قام البنك بتوسيع العمل وتقديم التمويل لعدد من الولايات بوفد قاده رئيس مجلس الادارة د. الفاتح حسين، وساهمت الإدارة التنفيذية للبنك في تطوير فروع البنك في ظروف استثنائية.
ومن النماذج المشرقة تجربة الأستاذ عبد الله إدريس العباس في مصرف البلد، والتي يصاحبها نجاح كبير في إدارة الأصول والالتزام وضبط المخاطر وإعادة افتتاح فروع البنك بعد إعادة اعمارها بتكاليف اقتصادية مناسبة وأناقة معمارية ، هذه التجارب الثلاث تؤكد أن الكفاءة السودانية قادرة على القيادة والابتكار حتى في أحلك الظروف.
*القطاع يحتاج للحوري*
ولا يمكن الحديث عن الكفاءات دون ذكر الأستاذ أحمد عبد الرحمن الحوري. فاستقالته من بنك الساحل والصحراء خسارة، وعودته اليوم للقطاع أصبحت ضرورة وليست ترفاً. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل التجريب، بل تحتاج إلى خبرة وتميز ورؤية مثل رؤية الحوري.
*في الختام*
هذه التنقلات ليست مجرد تغيير كراسي، بل هي إعادة تشكيل لمستقبل مصرفي سوداني يحاول النهوض من تحت الركام. ونجاحها مرهون بمنح هؤلاء المدراء الصلاحيات الكاملة والدعم الكافي بعيداً عن التدخلات. فالمرحلة القادمة تحتاج إلى قرار لا يتردد، وكفاءة لا تُظلم، وخبرة لا تُهمش.

