ترامب وأزمة الخليج: ضبابية القرار الأمريكي وأزمة المصداقية الاستراتيجية
دكتور الصادق خلف الله
خاص مجلة حواس
منذ اندلاع الأزمة الخليجية الحالية، تتزايد التساؤلات حول حقيقة الموقف الأمريكي وطبيعة الدور الذي تسعى واشنطن إلى لعبه في واحدة من أكثر الأزمات الإقليمية حساسية وخطورة منذ سنوات. وبين التصريحات المتضاربة والتحركات العسكرية غير الواضحة والرسائل المتناقضة الصادرة عن مراكز القرار الأمريكية، تبدو السياسة الأمريكية اليوم أقرب إلى حالة من الضبابية الاستراتيجية التي تثير قلق الحلفاء قبل الخصوم.
الرئيس دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض حاملاً وعوداً باستعادة قوة الردع الأمريكية وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية، يواجه اختباراً معقداً في منطقة الخليج والشرق الأوسط. فمنذ بداية الأزمة، تباينت المواقف الأمريكية بين الدعوة إلى التهدئة والحوار من جهة، وإظهار الاستعداد للتصعيد العسكري من جهة أخرى، في وقت استمرت فيه واشنطن بتقديم دعم واسع لإسرائيل دون أن توضح بشكل كافٍ حدود هذا الدعم أو أهدافه النهائية.
هذا التناقض خلق حالة من عدم اليقين لدى دول الخليج التي ترتبط بعلاقات استراتيجية طويلة الأمد مع الولايات المتحدة. فهذه الدول ليست مجرد مراقب للأحداث، بل هي الطرف الأكثر تأثراً بنتائج أي مواجهة عسكرية أو اضطراب أمني أو اقتصادي في المنطقة. ومع ذلك، فإن كثيراً من القرارات والتوجهات الأمريكية بدت وكأنها اتخذت دون مشاورات كافية مع الشركاء الإقليميين الذين سيتحملون الجزء الأكبر من تداعيات الأزمة.
وفي الملف الإيراني، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فهل تسعى الإدارة الأمريكية إلى احتواء إيران أم التفاوض معها أم ممارسة ضغوط تؤدي إلى تغيير سلوكها الإقليمي؟ أم أنها تكتفي بإدارة الأزمة دون امتلاك رؤية واضحة لنهايتها؟ إن تعدد الرسائل واختلاف التصريحات داخل الإدارة الأمريكية نفسها جعل من الصعب فهم الاستراتيجية الحقيقية التي تحكم الموقف الأمريكي.
كما أن قضية أمن الملاحة الدولية ومضيق هرمز تطرح بدورها علامات استفهام كبيرة. فقد تعهدت الولايات المتحدة على مدى عقود بحماية طرق التجارة العالمية وضمان حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت عن فجوة بين الالتزامات المعلنة والقدرة أو الرغبة في تنفيذها بالشكل الذي يتوقعه الحلفاء والشركاء في المنطقة.
وفي الداخل الأمريكي، لا تبدو هذه الحرب أو احتمالات توسعها قضية تحظى بإجماع شعبي واسع. فالرأي العام الأمريكي أصبح أكثر ميلاً للتركيز على التحديات الاقتصادية الداخلية من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والدين العام، فيما تتزايد الأصوات المطالبة بتجنب الانخراط في صراعات خارجية جديدة. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تشير المؤشرات السياسية إلى احتمال عودة أغلبية ديمقراطية في أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما، وهو ما قد يفرض قيوداً إضافية على أي سياسات تصعيدية طويلة المدى.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية: إلى أي مدى تعكس التحركات الإسرائيلية الحالية المصالح الأمريكية المباشرة؟ وإلى أي مدى تستطيع واشنطن الحفاظ على التوازن بين التزاماتها تجاه إسرائيل وبين مصالحها الاستراتيجية مع دول الخليج والدول العربية؟ وهل ما نشهده اليوم هو جزء من استراتيجية أمريكية واضحة المعالم أم مجرد استجابة متلاحقة لأحداث متسارعة تتجاوز قدرة الجميع على التحكم بها؟
في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة الأساسية في حجم القوة الأمريكية أو نفوذها العسكري والسياسي، بل في وضوح الرؤية والقدرة على طمأنة الحلفاء والشركاء. فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من الرسائل المتناقضة، بل إلى سياسة واضحة يمكن البناء عليها. وحتى يتحقق ذلك، ستظل الأسئلة الكبرى معلقة: ما هي الغاية النهائية التي تسعى إليها واشنطن؟ وما هو شكل النظام الإقليمي الذي تريد دعمه؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة استعادة مصداقيتها الاستراتيجية في منطقة بدأت تعيد تقييم تحالفاتها التقليدية وتبحث عن ضمانات أكثر وضوحاً وثباتاً لمستقبلها وأمنها القومي.

