دار حصة للفنون… أيقونات القماش والهوية
محمد يوسف العركي
المتابع لحركة الفن التشكيلي في قطر منذ بداياتها الأولى يلحظ بوضوح أن حضور المرأة في المشهد الفني لم يكن مجرّد معطى اجتماعي أو استجابة ظرفية لتحولات الحداثة، بل فعلًا ثقافيًا أعاد جدلية من يملك حق صناعة الصورة، ومن يحدّد معناها. فالفن، في جوهره، لا يعكس المجتمع بقدر ما يعيد ترتيب وعيه بذاته.
ومن هذا المنظور، جاء حضور المرأة بوصفها فاعلًا مؤسسًا في تشكيل الذائقة البصرية المحلية، لا موضوعًا للرؤية، بل منتِجًا لها، يراكم الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات.
في سبعينيات القرن الماضي، ومع تشكّل الخطوات الأولى الموثقة للفن النسوي التشكيلي القطري، لم تكن تجارب رائدة مثل تجربة الفنانة وفيقة سلطان العيسى تعبيرًا عن حضور نسوي فني فحسب، بل إشارة إلى انتقال خافت في مركز الرؤية. ثم جاء عام 1982، مع تدشين أول معرض للتشكيليات القطريات، بوصفه لحظة رمزية أعادت تعريف موقع المرأة داخل المشهد الثقافي: من موضوعٍ مُشار إليه، إلى ذاتٍ تعيد إنتاج المعنى البصري للمجتمع من الداخل.
من هذا الامتداد، تُقرأ تجربة الفنانة هنادي الدرويش بوصفها مسارًا يتجاوز الفردي نحو حلقة وعي داخل هذا التحوّل. تجربة تتجنب القطيعة وتشتغل على المنطقة البرزخية بين الذاكرة والتجديد. فهي تنطلق من البيت باعتباره فضاءً أنثروبولوجيًا تتكوّن فيه العلاقة الأولى مع الخامة؛ حيث يتحوّل القماش من مادة فنية إلى ممارسة يومية، ويصل الأثر إلى الوعي قبل أن يستقر في صورة.
هذا التكوين الحسي، الذي تعزّز بالدراسة الأكاديمية في كلية التربية الفنية بجامعة قطر، لم يضعف حدس التجربة، بل منحه اتجاهًا أعمق. وهنا يتجلّى جوهر التجريب في تجربة الدرويش بوصفه اشتغالًا على معنى الخامة نفسها. فالتجريب يتحرك من البصري إلى الدلالي، ومن الاختلاف الشكلي إلى إعادة إنتاج المعنى.
استخدام «البطّولة» في أعمالها لا يأتي استدعاءً تراثيًا أو أيقونة جاهزة للهوية، بل كمترجم ثقافي صامت. والبطّولة، وهي قطعة قماش كانت المرأة القطرية تغطّي بها وجهها في الفضاء العام، تتحول في العمل الفني من ممارسة اجتماعية ما يمثل منظومة القيم الاجتماعية التي أحاطت بالمرأة القطرية وصاغت حضورها الفاعل.
ويبلغ هذا الاشتغال بعده الأخلاقي حين تستخدم الفنانة بطّولات تعود لوالدتها الراحلة، وتمتنع عن بيع الأعمال التي تحتوي عليها. موقف يتجاوز الحنين الشخصي ليرسم حدًا فاصلًا بين الذاكرة بوصفها معنى، والسوق بوصفه منطقًا. عند هذه النقطة يستعيد العمل الفني وظيفته الأعمق، بوصفه فعل حفظٍ للأثر لا مادةً للاستهلاك.
أمّا «الدراعة “فحين تدخل التكوين، تحضر بوصفها أصلًا قيميًا واجتماعيًا متصلًا بحياة المرأة القطرية وهي زيّ نسائي ارتبط بالحياة اليومية والفضاء الداخلي، يعيد تعريف الهوية باعتبارها تراكمًا للتجربة لا صورة مكملة للشكل.
هذا الاشتغال المفاهيمي على الخامة والذاكرة لعله قد اتخذ طابعه المؤسسي مع تأسيس دار حصة للفنون عام 2019، بوصفها إطارًا فكريًا لتجربة ترى في الفن مجالًا لإعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والصورة. وقد مهّد لذلك معرض «حنين الذاكرة – حصة» في الكويت عام 2017، حيث تفاعل المتلقي مع العمل باعتباره تجربة تأملية تتجاوز الاستعادة النوستالجية، وتتجه نحو مساءلة الذاكرة ومعناها.
في المحصلة، ومن خلال تفكيك تجربة دار حصة للفنون ومسار هنادي الدرويش، يتضح أن ما يُشتغل عليه هنا يتجاوز إنتاج العمل التشكيلي إلى إعادة التفكير في وظيفة الفن نفسها. فالفن، في هذا السياق، لا يعمل كأداة عرض، بل كآلية حفظ للمعنى في زمن سريع الاختزال. وحين تلتقي الفرشاة بالبطّولة والدراعة، لا نكون إزاء نتاج بصري فحسب، بل أمام ممارسة تحليلية هادئة للهوية، تُفكك ما يُرى لتكشف عمّا يبقى منها خارج الحواس.


