بين فوضى القرارات وواقع الأسواق: لماذا عجز حظر الاستيراد عن حماية الجنيه السوداني؟
د. حسين آدم حسين إيدام – إحصائي ومحلل بيانات وباحث إقتصادي
في محاولة منها للسيطرة على النزيف المستمر للنقد الأجنبي، أصدر رئيس الوزراء السوداني مؤخراً قراراً قضى بحظر استيراد 46 سلعة اعتبرها “كماليات” (مثل الفواكه، ومواد التجميل، والأسمنت، وبعض اللحوم المصنعة). بهدف تقليص الطلب على الدولار لوقف تدهور الجنيه. إلا أن واقع الأسواق صدم الجميع بإجابة رقمية قاسية، حيث قفز سعر الدولار متجاوزاً حاجز الـ 4,600 جنيه.
هذا الانفلات السريع يبرهن على أن القرارات الإدارية لا يمكنها إلغاء قوانين العرض والطلب. في هذا المقال التحليلي ، نفكك أبعاد الأزمة بلغة مبسطة ورصينة تعتمد على الأرقام والشواهد الحية.
الواقع الرقمي: لماذا جاءت النتائج عكسية؟
تُظهر البيانات الإحصائية وسلوك الأسواق أن قرار الحظر واجه ثلاثة عوائق رئيسية جعلت أثره سلبياً على قيمة العملة الوطنية:
1. انتقال الطلب إلى القنوات غير الرسمية: بحسب باحثين تكشف البيانات التجارية أن أكثر من 85% من السلع المحظورة لم تكن تُموّل أصلاً عبر النظام المصرفي الرسمي أو البنك المركزي حيث أنْ التجار كانوا يوفرون عملاتهم من السوق الموازية. وبعد الحظر، لم يتوقف طلب المستهلكين على هذه السلع، بل تحول التجار إلى قنوات “التهريب عبر الحدود”، ممّا زاد من حدة المضاربة على الدولار في السوق السوداء لتغطية تكاليف ومخاطر النقل الجديدة، فارتفع السعر بشكل متسارع.
2. غياب البديل المحلي (معضلة الإنتاج وضعف البنية التحتية): لكي ينجح حظر أي سلعة، يجب أن يرتفع الإنتاج المحلي لتغطية الفجوة. لكن الشواهد الحالية تؤكد حدوث شلل كامل في القطاعات الإنتاجية بالسودان جراء الحرب. وأبرز مثال على ذلك هو التوقف التام لمصفاة الجيلي (الخرطوم) عن العمل جراء الدمار الذي لحق بها، والذي تُقدر تكلفة إعادته بنحو 3 مليارات دولار . هذا التوقف أجبر الدولة على استيراد كامل احتياجاتها من الوقود والمشتقات البترولية عبر الموانئ، وهي فاتورة ضخمة تستنزف النقد الأجنبي يومياً وتضغط على الجنيه.
3. التأثير المزدوج للدولار الجمركي: توازى قرار حظر الاستيراد مع خطوة أخرى تمثلت في رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 14% (ليتجاوز 3,200 جنيه). هذا الارتفاع شكّل صدمة فورية لأسعار السلع الأساسية والمواد الخام المسموح باستيرادها، مما قاد إلى موجة تضخم جديدة دفعت المواطنين والتجار إلى التخلص من الجنيه والتحوط بشراء العملات الأجنبية، مما سرّع من وتيرة انهيار العملة المحلية.
لذلك نوصي بالآتي:
المعالجة لانفلات سعر الصرف لا تبدأ من قائمة السلع الممنوعة، بل من علاج المسببات الحقيقية للأزمة، وأهمها غياب الصادرات والاعتماد على طباعة النقود لتغطية النفقات. للخروج من هذا المأزق، يُنصح بتبني السياسات التالية:
* توجيه الإعفاءات لمدخلات الإنتاج: بدلاً من التركيز على حظر السلع، يجب إلغاء الرسوم الجمركية والقيود الإدارية بالكامل عن المعدات الزراعية، والطاقة الشمسية، والبذور، وقطع غيار المصانع في الولايات الآمنة لأن تشجيع الإنتاج هو الخط الدفاعي الأول عن العملة المحلية.
* استقطاب تحويلات المغتربين بالحوافز: يمثل المغتربون المورد الأساسي للنقد الأجنبي حالياً. يجب على المصارف الرسمية جذب هذه الأموال عن طريق تقديم حوافز حقيقية (مثل تيسير تملك الأراضي السكنية أو تقديم إعفاءات جمركية لسياراتهم) شريطة التحويل عبر القنوات البنكية بأسعار عادلة وقريبة من واقع السوق.
* تنظيم صادرات الذهب والموارد الحيوية: يواجه قطاع الذهب والمواشي تسريباً كبيراً لعائداته خارج المظلة الرسمية. يتطلب الوضع تبسيط إجراءات التصدير وبناء منافذ مرنة تضمن للمصدرين الحصول على حقوقهم بسرعة، مما يحفزهم على توريد حصائل النقد الأجنبي إلى البنك المركزي مباشرة بدلاً من اللجوء للتهريب.
* كبح التمويل بالعجز: عدم طباعة العملة المحلية لتغطية النفقات العامة دون وجود غطاء إنتاجي يماثلها هو السبب الجذري للتضخم. لا بد من ضبط الإنفاق الحكومي غير الضروري لمنع تدفق سيولة نقدية ضخمة تزيد من تدهور القيمة الشرائية للجنيه.
الخلاصة: قرار حظر الاستيراد كان بمثابة محاولة لتجفيف المصب بينما المنبع ينفجر. وصول الدولار إلى عتبة الـ 4,600 جنيه هو دليل رقمي على أن الحل لا يكمن في لافتات المنع، بل في إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، وإدارة ملف الصادرات والتحويلات.

