البترول في السودان بين تحرير الاستيراد وضرورات الأمن الاستراتيجي
بقلم: إسماعيل شمس الدين الشافعي
مهندس مستشار
هندسة كيميائية
خبير طاقة وصناعة. الدوحة
أدى خروج ملف استيراد المواد البترولية من سيطرة الدولة إلى القطاع الخاص إلى بروز العديد من التحديات الاقتصادية والنقدية التي انعكست بصورة مباشرة على استقرار الإمدادات وسعر صرف الجنيه السوداني. ويبدو أن المصالح المتشابكة التي أحاطت بهذا الملف قد أسهمت في إضعاف الدور الذي كانت تضطلع به المؤسسات الحكومية المختصة، رغم امتلاكها للخبرة والبنية الأساسية اللازمة لإدارة هذا القطاع الحيوي.
فالدولة السودانية، عبر مؤسسات وزارة الطاقة، تمتلك خبرات تراكمية طويلة في مجال استيراد وتوزيع المنتجات البترولية، كما تمتلك مرافق التخزين والموانئ، إلى جانب وسائل النقل المختلفة، بما في ذلك خطوط الأنابيب وشبكات السكك الحديدية. وهي إمكانات تجعلها أكثر قدرة على إدارة هذا الملف مقارنة بالشركات الخاصة التي تفتقر، في معظمها، إلى الخبرة الكافية وإلى الموارد المالية بالعملات الأجنبية.
كما أن اعتماد العديد من الشركات المستوردة على شراء النقد الأجنبي من السوق الموازية أدى إلى زيادة الطلب على الدولار، الأمر الذي ساهم في تفاقم أزمة العملة الوطنية، وألقى بظلاله السالبة على مجمل النشاط الاقتصادي.
وباعتبار أن المواد البترولية سلعة استراتيجية ترتبط بالأمن الاقتصادي للدولة، فإن استيرادها ينبغي أن يتم بصورة رئيسية تحت إشراف الدولة ورقابتها، مع إفساح المجال للقطاع الخاص في حدود الأدوار المكملة، وليس البديلة.
ومن بين الخيارات التي تستحق الدراسة، الاتجاه نحو إبرام عقود طويلة الأجل مع دول وشركات نفطية ذات موثوقية عالية، بما يضمن استقرار الإمدادات والحد من تأثير تقلبات الأسعار العالمية. ويمكن في هذا الإطار دراسة إقامة شراكات استراتيجية مع شركات كبرى مثل “أرامكو” السعودية أو “قطر للطاقة”، بما يحقق مصالح السودان ويضمن توفير احتياجاته من المنتجات البترولية بصورة منتظمة.
كما أن إنشاء صندوق سيادي مخصص لتأمين واردات الوقود، برأسمال مناسب، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء احتياطي استراتيجي يكفي لتغطية احتياجات البلاد لمدة ثلاثة أشهر على الأقل. غير أن نجاح هذه الخطوة يتطلب أولاً التأكد من جاهزية مرافق التخزين وقدرتها على استيعاب الكميات المطلوبة، باعتبار أن البنية التحتية تمثل أحد أهم عناصر نجاح أي استراتيجية للأمن الطاقوي.
أما فيما يتعلق بمصفاة الخرطوم، فإن إعادة تشغيلها تستوجب إجراء دراسة فنية واقتصادية شاملة تتناول مصادر توفير الخام، وجدوى التشغيل، والخيارات المتاحة في ظل المتغيرات الحالية.
وفي المقابل، قد يكون التوجه نحو استيراد الغاز الطبيعي المسال خياراً أكثر جدوى على المدى المتوسط والبعيد، خاصة إذا تم ذلك في إطار تعاون اقتصادي واستراتيجي مع دولة قطر، بما يتيح تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المشتقات النفطية التقليدية.
إن قضية الطاقة في السودان ليست مجرد ملف اقتصادي، بل هي قضية ترتبط بالأمن القومي والاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في السياسات الحالية، ووضع رؤية استراتيجية طويلة المدى تضمن استقرار الإمدادات وتحافظ على مصالح البلاد الاقتصادية

