حكاية الجنيه الذي أرهقته الجراح
لماذا ينهار وماذا سنفعل لإنقاذه؟
بقلم مستشار: أحمد حسن الفادني
حين يخرج المواطن السوداني صباحا حاملا رزمة من الأوراق النقدية لا لشراء احتياجته الشهر الشهرية انما ليحصل على بضع كيلوغرامات من السكر يدرك أن ثمة شيئا عميقا معطوبا في جسد الاقتصاد السوداني ، فالجنيه السوداني لم يعد عملة تستخدم للبيع والشراء فلقد أصبح شاهدا على عقود من الإرهاق وعلى حرب قطعت أوصال البلاد وأجهزت على ما تبقى من قيمة كان الناس يثقون بها يوما هذه ليست قصة أرقام وجداول ، هي حكاية وطن فقدت عملته روحها ونحاول هنا في هذا المقال أن نفهم ونحلا كيف حدث ذلك والأهم، كيف يمكن أن نعيد إليه الحياة بأيدينا.
كيف بدأ السقوط؟ … الصدمة التي لم نستفق منها بعد :
قبل أكثر من عقد كان الاقتصاد السوداني يعيش على إيقاع النفط حيث كانت عائداته تملا خزائن الدولة وتوفر العملة الصعبة اللازمة لاستيراد كل شيء تقريبا، من القمح إلى الدواء وغيره من السلع الاستراتيجية الأخرى .و لكن حين انفصل جنوب السودان في العام 2011 استيقظ السودان على واقعٍ صادم حيث وجدنا ثلاثة أرباع الإيرادات النفطية اختفت بين ليلة وضحاها ومعها اختفى تسعة أعشار الصادرات النقدية كان ذلك أشبه بزلزال اقتصادي خطير لكن الدولة آنذاك بدلا من أن تبني اقتصاد جديد يقوم على الزراعة والصناعة ظلت تدير الأزمة بترقيعات غير مجديه فبقي الإنتاج الوطني ضعيفا، وبقي الاعتماد على الاستيراد مرتفعا. والنتيجة كانت بسيطة( كل يوم كان الجنيه يخسر شيئا من قوته أمام الدولار) وذلك لأن الطلب عليه أكبر بكثير مما هو متاح.
الطابعة التي أكلت مدخرات الناس:
حين تنقص الإيرادات ولا تنضبط النفقات تلجأ الحكومات إلى أسهل الحلول وأكثرها تدميرا وهي أن تطلب من البنك المركزي طباعة المزيد من النقود لتمويل رواتب الموظفين ودعم السلع و لكن النقود بلا إنتاج يشبه ماء يصب في إناء مثقوب فمع كل ورقة نقدية جديدة تضخ في الأسواق دون أن يقابلها إنتاج حقيقي من سلع وخدمات تتآكل قيمة الجنيه وهنا شعر السودانيون بذلك في حياتهم اليومية فالراتب الذي كان يكفي شهرا كاملا وبه مدخر ايضا صار يتبخر في أيام قليله والمدخرات التي ظن أصحابها أنها ستقيهم تقلبات الزمن تحولت إلى كومة من الورق لا تكاد تشتري شيئا و التضخم قفز إلى أرقام مخيفة والثقة بالعملة الوطنية انهارت وفي غياب الثقة يتحول الناس تلقائيا إلى الملاذ الآمن وهو الدولار وهكذا يزداد الطلب على العملة الأجنبية فيتراجع الجنيه أكثر فاكثر في دائرة لا ترحم.
لعبة السعرين والسوق الموازي:
لعل أشد ما أثقل كاهل الجنيه هو ذلك الانفصام الذي عاشه سعر الصرف لسنوات حيث كان هناك سعر رسمي تحدده الحكومة لا يعكس الحقيقة وسعر آخر في السوق الموازي يعكس الندرة الحقيقية للدولار، وهذه الفجوة الواسعة بين السعرين لم تكن الا خلل فني وايضا كانت ثغرة هائلة تتدفق منها الثروة إلى جيوب قلة من المضاربين وأصحاب النفوذ. فمن يحصل على الدولار بالسعر المدعوم من البنك المركزي يستطيع أن يبيعه في السوق الموازي بربح هائل، بينما كان المواطن البسيط والتاجر الصغير يدفعان الثمن كاملا، فتحول سعر الصرف إلى لعبة قمار شرسة تقوم على الريع والفساد فيما وقف البنك المركزي في زمن من الأزمان عاجزا عن السيطرة على أداته الأساسية تاركا الجنيه لقدره في أيدي المضاربين.
الذهب الذي لم ينقذنا:
في خضم هذه العاصفة ظهر الذهب كطوق نجاة محتمل، فالسودان يمتلك احتياطيات هائلة من المعدن الأصفر ومازال وكان يمكن لعائداته أن تحل محل النفط المفقود لكن المأساة أن جزء كبير من هذا الذهب لم يدخل خزينة الدولة أبدا. فقد انتشر التهريب بشكل واسع وذهبت أطنان من الذهب إلى الأسواق المجاورة بطرق غير رسمية بينما ظلت احتياطيات البنك المركزي من النقد الأجنبي شحيحة لا تكفي لأسابيع قليلة من الواردات الأساسية وبدون غطاء كافي من الدولار إنتاجه كان إذا حدثت أي هزة صغيرة كفيلة بأن ترمي بالجنيه في الهاوية.
عندما جاءت الحرب لتكمل المأساة:
ثم جاء أبريل 2023 ليصب الزيت على النار فالحرب التي اندلعت كانت الضربة قاتلة للاقتصاد كله في غضون أشهر قليلة قفز سعر الدولار في السوق الموازي من حدود 600 جنيه إلى ما يتجاوز الان الى حاجز 5500 جنيه في بعض الأحيان و يترنح بين نزول و صعود ولا يزال يرتفع المصارف تحطمت أو توقفت و طرق التجارة أغلقت المصانع والأسواق دمرت أو هجرت، والآلاف من الكفاءات ورجال الأعمال حملوا أوراقهم وغادروا البلاد وهنا فقدت الدولة سيطرتها على مناطق التعدين الرئيسية التي باتت تحت سيطرة قوى الأمر الواقع وانهارت الإيرادات الضريبية تماما. تحول الاقتصاد إلى اقتصاد حرب غير رسمي بيع وشراء خارج أي إطار قانوني، لا يمد خزينة الدولة بشيء بينما تتحول أموال الضرائب والجمارك إلى سراب وفي ظل هذا الفراغ عادت الطابعة النقدية للعمل بصمت ممولة العجز بلا رحمة دافعة الجنيه إلى مزيد من السقوط الحر الحرب لم تدمر البنيان فقط، انما دمرت آخر ما تبقى من قيمة للعملة الوطنية.
خريطة العودة … كيف نعيد الجنيه للحياة بأيدينا؟
رغم قتامة الصورة فإن انهيار الجنيه ليس قدر أبدي فهناك طريق للعودة بشرط أن نمتلك الشجاعة لبدء إصلاح حقيقي من الداخل دون انتظار منقذ من الخارج وهذا هو المسار الذي يرسمه خبراء الاقتصاد السودانيون الذين اتفقوا على الخطوات التالية:
خطوة لا بديل عنها وهي التخلص من مليشيا الدعم السريع واستعادة هيبة الدولة لا يمكن لأي سياسة نقدية أن تنجح في بلد حرب كادت قسمت البلاد ، حيث لا تسيطر الحكومة على مناجم الذهب في غرب السودان، والسلام وإعادة بسط سلطة الدولة على كل شبر من أرض السودان هو حجر الزاوية الذي بدونه تنهار كل الخطط الاقتصادية وبعد ذلك يأتي العمل الاقتصادي الصعب والضروري
أولا: لا مفر من إنهاء لعبة السعرين وتوحيد سعر الصرف ليعكس قوى السوق الحقيقية و لكن هذه المرة يجب أن يتدخل البنك المركزي بصفته المشتري الوحيد للذهب من كل المنتجين و هذا ما حصل وله بشرط أن يكون سعر تنافسي وشفاف فيعيد بناء احتياطياته بنفسه ويقطع الطريق على المهربين والمضاربين في آن واحد.
ثانيا: لا بد من كسر الحلقة القاتلة بين العجز وطباعة النقود فينبغي أن يمنع البنك المركزي قانونياً من إقراض الحكومة لتغطية عجزها وأن يربط إصدار أي نقود جديدة بحجم الاحتياطيات الفعلية وفي المقابل يجب إصلاح الدعم الحكومي بحيث يذهب للمواطن المحتاج مباشرة نقداً أو في شكل دعومات عينية ، عبر منصات رقمية تصل إليه أينما كان بدلا من الاستمرار في دعم السلع الذي تلتهمها الجيوب الكبيرة قبل أن يصل إلى الفقراء.
ثالثا: لا خلاص دون عودة إلى الإنتاج فهنالك أراضي زراعية شاسعة صالحة لزراعة القمح والقطن والسمسم وثروة حيوانية تعد من الأكبر في القارة إضافة إلى الذهب والمعادن فنحن نحتاج إلى مشروع قومي حقيقي للاكتفاء الغذائي والتصدير تشارك فيه الدولة مع المزارعين ورجال الأعمال، تقدم لهم المدخلات بأسعار مخفضة مقابل التزامهم بتوريد المحصول للبنك المركزي ليسد حاجة السوق من العملة الصعبة. وفي الذهب لا بد من نظام تتبع صارم من المنجم إلى خزينة الدولة مع عقوبات رادعة للمهربين.
رابعا: يجب إعادة بناء جسور الثقة مع الجهاز المصرفي اليوم كثير من السودانيين لا يضعون أموالهم في البنوك لأنهم لا يثقون بالنظام المصرفي المحلي وهذا يحرم الاقتصاد من سيولة ضخمة. عبر رسملة المصارف المتعثرة وتقديم خدمات مصرفية رقمية سهلة عبر الهاتف وتسهيل استقبال تحويلات المغتربين بسعر صرف تنافسي وبدون رسوم مع إمكانية ضخ مليارات الدولارات داخل النظام الرسمي بدلا من تركها تذهب إلى السوق السوداء.
خامسا: كل هذه الإصلاحات ستصطدم بعقبة ضخمة اسمها الفساد وضعف المؤسسات و التنسيق المؤسسي، فمن دون بنك مركزي مستقل فعليا ، ومن دون هيئة وطنية عليا لمكافحة الفساد تبدأ بملفات الذهب والضرائب والجمارك وتفرض الشفافية الكاملة، فإن أي خطة ستتحول إلى حبر على ورق.
أخيرا وليس اخرا ، حين تثبت الدولة جديتها في الإصلاح واستعادة السلام يمكنها أن تتفاوض مع دائنيها من موقع الندية لتخفيف عبء الديون وإعادة جدولتها بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد الحقيقية وبشروط تحترم السيادة الوطنية تماما.
و في النهاية
قصة الجنيه السوداني هي قصة وطن أنهكته الصدمات والانقسامات لكن الأوطان تبنى من جديد حين يقرر أبناؤها أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم فإن انهيار العملة ليست أزمة نقدية فقط انما دعوة صادقة لإعادة بناء الدولة على أسس سليمة(سلطة موحدة- إنتاج حقيقي- ومؤسسات تخدم الناس) وهذا ليس حلم بعيد هو ورشة عمل كبيرة تبدأ أول ما تبدأ بأن نصدق أننا قادرون على إنقاذ أنفسنا بأنفسنا .
و الله المستعان

