الجنرال الأزرق… حين تصبح المسؤولية أثقل من المناصب
بقلم: محمد عثمان الرضي
✦ ليست كل الولايات سواء، وليست كل المواقع التنفيذية متشابهة. فهناك من يتسلم مسؤولية في ظروف مستقرة، وهناك من يجد نفسه في قلب عاصفة لا تهدأ. ومن هذا الصنف الأخير كانت ولاية كسلا عندما أُسندت قيادتها إلى اللواء معاش الصادق الأزرق.
✦ لم يدخل الرجل إلى ولاية مترفة بالموارد، ولا إلى واقع إداري مستقر، وإنما وجد أمامه تركة ثقيلة من الأزمات، وملفات متراكمة، وصراعات قديمة لم تُغلق صفحاتها بعد.
✦ كسلا ولاية تملك من المقومات ما يؤهلها لأن تكون من أكثر ولايات السودان ازدهاراً، لكنها ظلت، ولسنوات طويلة، أسيرة الاستقطابات والخلافات التي استنزفت طاقتها وأهدرت كثيراً من فرصها.
✦ وفي مثل هذا الواقع، لا تكون مهمة الوالي إدارة جهاز حكومي فحسب، بل إدارة التوقعات، واحتواء الأزمات، والبحث عن حلول وسط شح الإمكانات وضيق الخيارات.
✦ قبل أيام، جمعتني الصدفة بالوالي الصادق الأزرق داخل أحد مطاعم الخرطوم، بعيداً عن المكاتب الرسمية وعدسات الكاميرات.
✦ لم يكن الحديث طويلاً، لكن ملامح الرجل كانت تتحدث أكثر من الكلمات. كان الإرهاق واضحاً، لا بوصفه تعباً جسدياً عابراً، وإنما باعتباره حصيلة مسؤولية يومية لا تعرف الراحة.
✦ أدركت أن بعض المناصب لا تمنح أصحابها الوجاهة بقدر ما تثقل كواهلهم بالهموم.
✦ كان من بين أول الملفات التي تشغل تفكيره استحقاقات المعلمين المالية، إلى جانب قضايا الخدمات الأساسية التي ينتظر المواطن حلولها قبل أن يسمع المبررات.
✦ وهذه الملفات، مهما بلغت جدية حكومة الولاية، تظل مرتبطة إلى حد بعيد بما يتوافر من دعم اتحادي وإمكانات مالية.
✦ ولذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا يُحمَّل الوالي وحده مسؤولية كل أزمة، كما لا يجوز إعفاؤه من مسؤوليته عن أي تقصير يدخل في نطاق صلاحياته.
✦ وخلال الأيام الماضية ارتفعت أصوات تطالب بإعفاء والي كسلا، وهو حق تكفله حرية الرأي متى ما استند إلى معايير موضوعية.
✦ لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل أصبحت معايير تقييم المسؤولين في بلادنا قائمة على النتائج، أم على تبدل المواقف والاصطفافات؟
✦ فالذين يصفقون اليوم قد يعارضون غداً، والذين يهاجمون اليوم ربما كانوا بالأمس من أشد المؤيدين، بينما يبقى المواطن هو الثابت الوحيد وسط هذا التبدل.
✦ لذلك فإن الإنصاف يقتضي أن يكون الميزان واحداً، وأن يخضع الجميع لمعيار الأداء لا لمعيار المزاج السياسي.
✦ لا أحد يدعي أن والي كسلا حقق كل ما يطمح إليه أهل الولاية، كما لا يستطيع أحد أن ينكر حجم التعقيدات التي يعمل في ظلها.
✦ فالواقع لا يُقرأ بالأمنيات، وإنما بالإمكانات المتاحة والظروف المحيطة.
✦ النقد الموضوعي ضرورة، لأنه يصحح المسار ويكشف مواضع الخلل، لكنه يفقد قيمته عندما يتحول إلى حملة لا تقدم بديلاً ولا تطرح رؤية.
✦ كما أن الدفاع عن أي مسؤول لا ينبغي أن يكون دفاعاً مطلقاً، بل دفاعاً عن مبدأ العدالة في التقييم.
✦ فالمناصب العامة ليست ملكاً لأحد، كما أن البقاء فيها ليس حقاً مكتسباً، وإنما يرتبط بما يقدمه المسؤول من عمل وما يحققه من نتائج.
✦ ومن حق مواطني كسلا أن يطالبوا بخدمات أفضل، وتعليم أكثر استقراراً، وصحة أكثر كفاءة، وبنية تحتية تليق بتاريخ ولايتهم ومكانتها.
✦ ومن واجب حكومة الولاية أن تبذل أقصى ما تستطيع لتحقيق تلك التطلعات، وأن تكون أكثر قرباً من هموم المواطنين.
✦ وفي المقابل، فإن الحكومة الاتحادية مطالبة بألا تترك الولايات تواجه مصيرها منفردة، لأن نجاح الولايات جزء لا يتجزأ من نجاح الدولة.
✦ لقد أثبتت التجارب أن إسقاط الأشخاص لا يعني بالضرورة إسقاط الأزمات، وأن تغيير الوجوه لا يصنع المعجزات ما لم تتغير الظروف والسياسات والإمكانات.
✦ ولهذا، فإن الحكمة تقتضي أن يكون الحكم على أي تجربة بعدل وتجرد، بعيداً عن الانفعال أو الخصومات.
✦ فالمسؤول يرحل، لكن الولاية تبقى، والمواطن هو الذي يدفع ثمن كل صراع سياسي لا ينتهي.
✦ وما تحتاجه كسلا اليوم ليس مزيداً من الاستقطاب، وإنما مساحة أوسع للتوافق والعمل المشترك، لأن التنمية لا تُبنى بالخصومات، وإنما بالشراكة.
✦ والتاريخ لا يكتب أسماء الذين رفعوا أصواتهم أكثر، وإنما يحتفظ بمن تحملوا المسؤولية في أصعب اللحظات، وأدوا ما استطاعوا بإخلاص وتجرد.
✦ ويبقى السؤال الذي يستحق التأمل: هل المشكلة الحقيقية في الأشخاص، أم في واقعٍ مثقلٍ بالأزمات يجعل أي مسؤول، مهما بلغت قدراته، يسير فوق أرضٍ مليئة بالأشواك؟ إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال هي التي ينبغي أن تقود أحكامنا، لأن الدول لا تُدار بردود الأفعال، بل تُبنى بالعدل في التقييم، والإنصاف في الحكم، وتقديم المصلحة العامة على كل ما سواها.

