عندما غاصت قدماي في رمال العدوة الدنيا بميدان غزوة بدر الكبرى.
د. النور الكارس
البحث عن حفنة تراب:
في صباحٍ مشرقٍ جميل من أيام المدينة المنورة، تحرَّكتُ قاصداً مسجد قباء لتصويره ضمن إنتاج سلسلة وثائقية عن السيرة النبوية الشريفة.
وأثناء تصويري للمسجد من الخارج، وقبل أن أشرع في التصوير الداخلي، تمنَّيت لو أنني وجدته على هيئته الأولى التي كان عليها يوم شُيِّد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. بل تنميت، وأنا أصوِّر محيط المسجد، لو أجد مساحة طبيعية، ولو كانت في غاية الصغر، تحتفظ بحفنة من التراب المبارك الذي وطئته قدما رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولعل هذا الشعور هو الذي جعلني أتعجَّل زيارة موقع غزة بدر الكبرى، حيث لا توجد العوازل الحديثة التي تحول بين المرء وبين ملامسة الأرض التي شهدت ذلك الحدث العظيم، بعدما حُرمت من تحقيق تلك الأمنية أثناء التصوير في محيط مسجد قباء.
الطريق إلى بدر:
تحركنا بالسيارة في الاتجاه الجنوب الغربي للمدينة المنورة، قاصدين موقع غزوة بدر، عبر طريق المدينة المنورة -ينبع السريع (مسار بدر التاريخي)، المعروف شعبياً بطريق جدة القديم.
وأنا في الطريق استرجعت كل ما قرأته عن غزوة بدر الكبرى في كتب السيرة، تلك المعركة التي وقعت في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، الموافق الثالث عشر من مارس سنة 624هـ، والتي تُعد أول معركة فاصلة في تاريخ الإسلام.
حرصت على تصوير لقطات توثيقية متعدِّدة للطريق الذي يبلغ طوله 150 كيلومتراً، وقارنت حالنا ونحن نستقل سيارة مريحة في طريقٍ معبَّد، بحال ثلاثمائة وثلاثة عشر من الصحابة يقودهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن معهم سوى فرسين وسبعين جملاً، يسيرون في طريق غير ممهَّد، وفي نهارٍ رمضاني لاهب، لمواجهة جيش قريش الذي قارب ألف مقاتل.
داخل ميدان بدر:
ما إن دخلت ميدان بدر حتى شعرت برهبة المكان تكاد تفصل روحي عن جسدي.
لقد انبهرت بعظمة هذا الموقع الذي يحتضن معالم تاريخية توثِّق تفاصيل المعركة التي انتصر فيها المسلمون على المشركين نصراً ساحقاً.
فهناك يشمخ مسجد العريش، الذي أُقيم في الموضع الذي كان فيه عريش النبي صلى الله عليه وسلم لإدارة المعركة. وفي موضع آخر تقبع مقبرة شهداء بدر التي تضم رفات أربعة عشر صحابياً استشهدوا في يوم الفرقان. وهنا اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أصوِّر النصب التذكاري الذي يحمل أسماءهم، بينما شعرت وكأن بئر بدر تشاركني ذلك التأثر، وقد امتزجت في وجداني رهبة المكان بعظمة الحدث.
وهناك تمتد الساحة التي دارت فيها وقائع المعركة، بينما يقف المرء أمام كثيب الحنان وجبل الملائكة مستشعراً مكانتهما في أحداث ذلك اليوم الخالد.
البقعة الأكثر تأثيراً:
نعم، لقد تأثرت بكل معالم بدر، لكن أكثرها تأثيراً في نفسي كانت العدوة الدنيا، حيث اصطف جيش المسلمين، والتي ما إن بدأت تصويرها، حتى بدأتُ أشعر بقشعريرة في بدني تتناوب مع دموع مدرارةٍ عجزت عن حبسها.
أخذتُ أتحرَّك فوق أرضها الرملية اللينة، وكأنني استشعر دفء أقدام الصحابة، وعلى رأسهم النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وهم ينظِّمون صفوفهم استعداداً للقاء جيش العدو.
كنت أحمل الكاميرا على كتفي، بينما كانت قدماي تغوصان في الرمال، بصورة جعلتني أشعر بثقلٍ عظيم، وكأنني أحمل جبلاً فوق كتفي.
ثم انتقلت إلى العدوة القصوى، التي كان بها جيش المشركين، فوجدتُ تربتها صلبة وثابتة ومستقرة، فتذكرت قول الله تعالى في سورة الأنفال، وما ساقه سبحانه من أسباب التثبيت والنصر في ذلك اليوم العظيم.
سرحت بخيالي، وقارنت بين العدوتين، فتخيلت المطر الذي أنزله الله قبل بدء المعركة وقد جعل أرض العدوة الدنيا الرملية أكثر ثباتاً تحت أقدام المسلمين، فتهيأت لهم الأرض وربط الله على قلوبهم. وفي المقابل، تخيلت أثر ذلك المطر في أرض العدوة القصوى، وقد زادها صعوبة بالوحل على جيش المشركين، فمنح المسلمين أفضلية في الثبات والاستعداد للمعركة.
وأخذت أردد قوله تعالى من سورة الأنفال:
{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِنَ السَّمَاِء مَاءً لِيُطَّهِرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُم رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَّبِتَ بِهِ الأَقْدَامَ”}.] الأنفال :11[.
وكان وقع الآيات على نفسي شديد التأثير، حتى حالت دموعي بيني وبين رؤية الشاشة الجانبية للكاميرا، فأصبحت عاجزاً عن متابعة تكوين اللقطات، وقد دخلت في حالةٍ وجدانية لا يعلم حقيقتها إلا الله.
حين تركت قلبي ورائي:
غادرنا بدر بعد ذلك، وتحركت بنا السيارة إلى مكة المكرمة. نعم، غادرت بدر بجسدي بينما تركت قلبي هناك؛ إذ ما زال تأثيرها يسكنني إلى اليوم، رغم مرور سنوات طويلة على تلك الزيارة، بل إنني أستشعرها الآن من جديد أثناء كتابتي لهذه السطور.
ملحوظة:
الصور المرفقة في هذا المنشور صور توضيحية من الانترنت، إذ فُقدت الصور الأصلية التي التقطتها أثناء الرحلة مع جزء من أرشيفي بسبب الحرب.
من سلسلة “أيام لا تُنسى”..
حكايات من كواليس أفلامي الوثائقية، ورحلاتي التوثيقية داخل
سلسلة أيام لاتنسي حلقة رقم 10
د. النور الكارس


