مجلس التنسيق السعودي–السوداني.. شراكةاستراتيجية لاعادة بناء السودان
الدوحة حسن ابوعرفات
مجلس التنسيق السعودي–السوداني ليس مجرد إطار بروتوكولي جديد، بل يمكن قراءته باعتباره محاولة لنقل العلاقة بين الرياض والخرطوم من مستوى العلاقات التقليدية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المؤسسية. وقد أعيد تشكيل المجلس في يناير 2026 استناداً إلى تفاهمات سابقة بين قيادتي البلدين، بهدف الارتقاء بالعلاقات في مختلف المجالات.
أبرز الدلالات
1. السعودية تريد علاقة مؤسسية مع السودان
أهم ما في المجلس أنه يجعل التعاون أقل ارتباطاً بالظروف السياسية الآنية، وأكثر ارتباطاً بآلية مؤسسية تضع ملفات محددة، وخططاً، وأولويات، ومتابعة للتنفيذ.
2. السودان بالنسبة للسعودية ليس ملفاً هامشياً
الموقع الجغرافي للسودان على البحر الأحمر، وامتداده الإفريقي، وثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، تجعله جزءاً مهماً من حسابات الأمن والاستقرار الإقليمي والأمن الغذائي السعودي.
3. البعد السياسي مهم جداً
في ظل الحرب السودانية، يمثل المجلس قناة مباشرة ومنتظمة للتشاور حول الأزمة، خصوصاً أن الرياض كانت حاضرة في جهود الوساطة، وأكدت مواقفها الداعمة لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.
4. الاقتصاد قد يكون العنوان الأكبر للمرحلة المقبلة
إذا أُحسن تشغيل المجلس، يمكن أن يتحول إلى مظلة لجذب الاستثمارات السعودية إلى السودان، خصوصاً في الزراعة، الثروة الحيوانية، التعدين، الموانئ، الطاقة والبنية التحتية. وهذا يتقاطع مع حاجة السودان الماسة إلى التمويل والخبرة والأسواق في مرحلة إعادة الإعمار.
5. الأمن الغذائي مصلحة مشتركة
السودان يمتلك موارد زراعية وحيوانية ضخمة، والسعودية تمتلك التمويل والتكنولوجيا والأسواق. لذلك فإن قيام شراكة زراعية وحيوانية طويلة الأجل يمكن أن يكون أحد أكثر الملفات واقعية وفائدة للطرفين.
6. البحر الأحمر والقرن الأفريقي
أهمية السودان للسعودية تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية. استقرار الساحل السوداني والبحر الأحمر يرتبط مباشرة بأمن الملاحة والتجارة والطاقة، ولذلك فإن استقرار السودان يمثل مصلحة سعودية وإقليمية في آن واحد.
الأهمية للسودان
السودان يمكن أن يستفيد من المجلس في تحويل الدعم السياسي السعودي إلى مشروعات وبرامج عملية. والأهم أن تكون الأولوية للانتقال من المساعدات إلى الاستثمار، ومن الاستثمارات الفردية إلى مشروعات استراتيجية كبرى.
وهنا أرى أن على الجانب السوداني أن يدخل المجلس بأجندة واضحة، تتضمن:
* إعادة إعمار البنية التحتية.
* تطوير الموانئ والنقل والطرق.
* الاستثمار الزراعي والحيواني.
* الطاقة والكهرباء.
* التعدين وفق ضوابط شفافة.
* تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
* إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والصحية.
* فتح المجال أمام القطاع الخاص السعودي والسوداني.
* تدريب وتأهيل الكوادر السودانية.
* دعم عودة رؤوس الأموال والكفاءات السودانية.
الدلالة السياسية الأعمق
في تقديري، مجلس التنسيق السعودي–السوداني يمكن أن يصبح أحد أهم مفاتيح السودان في مرحلة ما بعد الحرب، إذا تحوّل من مجلس للاجتماعات إلى مجلس للقرارات والمشروعات.
فالمرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى بيانات سياسية، وإنما إلى شراكة سعودية–سودانية تنتج وظائف واستثمارات وإعماراً واستقراراً.
والسعودية بدورها تنظر إلى استقرار السودان باعتباره جزءاً من استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وليس مجرد شأن سوداني داخلي. وهذا ما يجعل العلاقة ذات بعد استراتيجي يتجاوز حدود البلدين. كما أن قراءات سودانية حديثة للمجلس وصفته بأنه يمكن أن يشكل بوابة لشراكة اقتصادية وسياسية أوسع.
أقول اخيرا :
المجلس أمام اختبار حقيقي: هل يبقى منصة للتنسيق السياسي، أم يتحول إلى غرفة عمليات للشراكة السعودية–السودانية؟
إذا نجح في الخيار الثاني، فقد يكون أحد أهم الأطر التي تساعد السودان على الانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الإعمار والإنتاج والاستثمار.
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

