الوعي الرقمي في السودان.. الشرط الغائب قبل التحول الرقمي
بقلم: م. إسماعيل بابكر محمد أحمد
الخبير الدولي للأمن السيبراني والتحول الرقمي
لم يعد التحول الرقمي ترفاً تقنياً أو شعاراً ترفعه المؤسسات لمواكبة العصر بل أصبح ضرورة لبناء دولة حديثة قادرة على تقديم خدماتها بسرعة وكفاءة وشفافية.
غير أن الحديث عن التحول الرقمي في السودان يجب أن يبدأ من سؤال أكثر أهمية: هل المجتمع السوداني مستعد فعلاً لهذه المرحلة؟
فامتلاك الأنظمة والمنصات والأجهزة والشبكات لا يعني بالضرورة أننا حققنا تحولاً رقمياً.
التحول الحقيقي يبدأ من الإنسان من الموظف والمواطن والمدير والمسؤول ومن قدرتهم على التعامل مع التكنولوجيا بصورة صحيحة وآمنة.
إن أكبر تحديات التحول الرقمي في السودان قد لا تكون تقنية في الأساس وإنما فجوة الوعي الرقمي.
قد تمتلك مؤسسة نظاماً إلكترونياً متطوراً لكنها تظل معرضة للاختراق إذا كان الموظف يستخدم كلمة مرور ضعيفة أو يشارك بيانات الدخول أو يفتح مرفقات مجهولة المصدر.
وقد تمتلك المؤسسات أنظمة أمنية متقدمة لكن خطأ بشرياً واحداً يمكن أن يتحول إلى مدخل لهجوم إلكتروني واسع.
وهنا تظهر أهمية الوعي الرقمي باعتباره خط الدفاع الأول.
قبل أن نرقمن الخدمة علينا أن نثقف المستخدم
التحول من المعاملة الورقية إلى المعاملة الإلكترونية يفرض نمطاً جديداً من السلوك.
المواطن الذي اعتاد على تقديم المستندات يدوياً يحتاج إلى معرفة كيفية إنشاء حساب رقمي وحماية كلمة المرور واستخدام المصادقة متعددة العوامل والتأكد من المواقع الرسمية وعدم مشاركة رموز التحقق مع الآخرين.
كما يحتاج إلى معرفة أن رسالة إلكترونية أو رسالة عبر الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون محاولة احتيال وليست بالضرورة رسالة رسمية.
هذه التفاصيل تبدو بسيطة لكنها في عالم الأمن السيبراني قد تكون الفارق بين خدمة آمنة وحادثة اختراق.
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها
من الخطأ أن ننظر إلى التحول الرقمي باعتباره مشروعاً لوزارة الاتصالات أو إدارات تقنية المعلومات فقط.
التحول الرقمي مشروع دولة ومجتمع.
فالوزير يحتاج إلى وعي رقمي والمدير يحتاج إلى وعي رقمي والموظف يحتاج إلى وعي رقمي والطالب والمواطن ورجل الأعمال والصحفي والعامل يحتاجون جميعاً إلى قدر مناسب من الثقافة الرقمية.
ولذلك فإن بناء البنية التحتية الرقمية يجب أن يسير بالتوازي مع بناء الإنسان الرقمي.
المواطن الرقمي حجر الأساس
المواطن الرقمي ليس هو الشخص الذي يمتلك هاتفاً ذكياً أو يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة.
المواطن الرقمي هو الذي يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا بأمان ومسؤولية وكيف يحافظ على بياناته وكيف يتحقق من المعلومات قبل نشرها وكيف يتعامل مع الخدمات الإلكترونية وكيف يبلغ عن الاحتيال أو الجرائم الإلكترونية.
ومن هنا فإن السودان بحاجة إلى مشروع وطني واسع للمواطنة الرقمية يبدأ من المدارس والجامعات ويمتد إلى المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والإعلام.
هناك قضية أخرى لا تقل أهمية.
التحول الرقمي لا يعني أن نأخذ الإجراءات الورقية المعقدة ونضعها داخل شاشة إلكترونية.
إذا كانت المعاملة تحتاج إلى عشر خطوات غير ضرورية في النظام الورقي فإن تحويلها إلى النظام الإلكتروني دون مراجعة لن يكون تحولاً حقيقياً وإنما رقمنة للبيروقراطية.
المطلوب هو إعادة هندسة الإجراءات وتبسيطهاثم رقمنتها وأتمتتها.
وهذا هو الفرق بين مؤسسة تستخدم التكنولوجيا ومؤسسة تحولت رقمياً.
الأمن السيبراني ليس مرحلة لاحقة
مع توسع الخدمات الرقمية ستصبح بيانات المواطنين والمؤسسات أكثر قيمة وبالتالي ستصبح هدفاً أكثر جاذبية للمجرمين الإلكترونيين.
لذلك يجب أن يكون الأمن السيبراني جزءاً من تصميم الخدمات منذ البداية وليس إجراءً يتم التفكير فيه بعد إطلاق النظام.
فكل مشروع للتحول الرقمي يجب أن يجيب عن أسئلة أساسية: كيف نحمي البيانات؟ من يستطيع الوصول إليها؟ كيف نكتشف الاختراق؟ كيف نستعيد الخدمة عند حدوث هجوم؟ وكيف نضمن الخصوصية؟
السودان أمام فرصة حقيقيةيمتلك السودان فرصة مهمة لإعادة بناء مؤسساته وخدماته على أسس رقمية حديثة خصوصاً في ظل التوجه نحو تطوير البنية التحتية والخدمات الحكومية والهوية الرقمية.
لكن النجاح لن يقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي يتم إطلاقها ولا بعدد الأجهزة التي يتم شراؤها وإنما بمدى قدرة المواطن والموظف والمؤسسة على استخدام هذه الأدوات بكفاءة وأمان.
ولهذا فإن المعادلة التي ينبغي أن تحكم التحول الرقمي في السودان هي:
وعي رقمي + بنية تحتية + تشريعات وحوكمة + أمن سيبراني + خدمات سهلة = تحول رقمي مستدام.
أما إذا ركزنا على التكنولوجيا وأهملنا الإنسان فإننا قد نمتلك أنظمة حديثة بعقلية قديمة.
وهذه هي النقطة التي يجب أن ننتبه إليها قبل أن نبدأ مرحلة التحول الرقمي الشامل
لا تبدأوا بالمنصة ابدأوا بالإنسان.
فالتكنولوجيا يمكن شراؤها والأنظمة يمكن تطويرها لكن الوعي يحتاج إلى بناء مستمر.
والسودان الذي يريد دولة رقمية حديثة يحتاج أولاً إلى مواطن رقمي واع وموظف رقمي مسؤول وقيادة رقمية قادرة على إدارة المستقبل.
التحول الرقمي يبدأ من الوعي قبل أن يبدأ من الشاشة.

