منشورات البنك المركزي في مرمي التفسيرات الخاطئة
_بقلم: طارق شريف ساتي – رئيس تحرير مجلة حواس_
ضجت الأعمدة الصحفية ووسائل التواصل الاجتماعي خلال شهر أغسطس 2026 بتحليلات وتوقعات متشائمة حول منشورين صدرا عن بنك السودان المركزي، اعتبرهما البعض “سياسات تحرير جديدة لسعر الصرف” ستقود لمزيد من التدهور.
لكن التريث قليلاً وقراءة المنشورين بعين فنية تكشف أن الأمر أبسط من ذلك بكثير، وأنه لا علاقة له بـ”صدمات” جديدة أو سياسات غير مسبوقة.
. ما الذي حدث فعلاً؟*
الحقيقة أن المنشورين لم يأتيا بجديد.
المنشور رقم `16/2026` الموجه للمصارف أحال صراحة إلى منشور إدارة السياسات رقم `15/2022` الصادر في 7 مارس 2022 والخاص بضوابط سعر الصرف للمصارف.
والمنشور رقم `17/2026` الموجه لشركات الصرافة أحال إلى منشور إدارة السياسات رقم `16/2022` الصادر في نفس التاريخ والخاص بالصرافات.
وقد يتساءل البعض: لماذا منشوران منفصلان؟
الإجابة أن مجالات عمل النقد الأجنبي تختلف بين المصارف والصرافات، ولكل منهما ضوابطه التي تنظم عمله.
السياق التاريخي: التحرير قديم*
المتابع لسياسات الاقتصاد الكلي يدرك أن الدولة ومنذ العام 2020 تبنت سياسات رفع الدعم عن السلع الاستراتيجية. وفي الجانب النقدي، بدأ التدرج بتوحيد سعر الصرف في 21 فبراير 2021.
ثم دخل بنك السودان فعلياً في تطبيق سياسة تحرير سعر الصرف منذ مارس 2022، عندما سمح للمصارف والصرافات بتحديد سعر الشراء وفقاً لقوى العرض والطلب.
إذن، ما تم في أغسطس 2026 ليس إلا تعديلاً جزئياً على سياسات قائمة منذ أكثر من 4 سنوات.
التعديلات مؤشر إيجابي*
تمثل هذه التعديلات مؤشراً إيجابياً على مرونة السياسة النقدية وقدرتها على التكيف مع متغيرات السوق. وهذه المرونة تعز كفاءة آليات العرض والطلب، ومن المتوقع أن تنعكس إيجاباً على استقرار سعر الصرف وتدعم مسار تحسن قيمة الجنيه على المدى المتوسط.
المضاربات لا السياسات هي السبب*
ما نشهده من ضغط على قيمة الجنيه سببه الأساسي عوامل نفسية وتفسير خاطئ للمنشورات. هذا الفراغ المعلوماتي استغله تجار العملة لخلق حالة من المضاربات وضخ الشائعات بهدف تحقيق أرباح آنية على حساب استقرار السوق.
الاستقرار مسؤولية تكاملية*
يقوم بنك السودان بدوره في ظروف معقدة ويبذل جهوداً مقدرة. لكن البنك المركزي حلقة في منظومة مؤسسات الاقتصاد الكلي.
من غير المنطقي أن نصوب سهامنا كلها عليه ونطالبه وحده بوقف تدهور الأسعار وتوفير النقد الأجنبي للمحروقات والقمح والدواء والكهرباء.
الاستقرار الحقيقي يتطلب أن تدعم جهود البنك المركزي سياسات واضحة من وزارات الإنتاج والخدمات. وبتكامل هذه الجهود فقط سنرى استقراراً في الأسعار ووفرة في السلع.
وإذا توهمنا أن للبنك المركزي “عصا سحرية” تحل كل مشاكل الاقتصاد، فسنظل ندور في حلقة مفرغة.
على الوزارات المعنية أن تبرز خططها وتعدل سياساتها وتدعم بعضها البعض، حتى نشهد اقتصاداً متغيراً ومتقدماً يشبه موارد وإمكانيات السودان.

