السعودية والسودان.. 50 مليار دولار ….
مجلس التنسيق السعودي–السوداني يفتح نافذة
جديدة من الإغاثة إلى الاستثمار وإعادة الإعمار
حاتم حسن أحمد
محلل اقتصادى
في السابع عشر من أغسطس 2026، لم تكن الرياض تشهد توقيع وثيقة دبلوماسية عابرة، وإنما كانت تؤسس لإطار اقتصادي يمكن أن يعيد رسم خريطة العلاقات السعودية–السودانية لسنوات قادمة.
ففي مقر وزارة الخارجية بالرياض، وقّع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، ووزير الخارجية والتعاون الدولي السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم، وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي–السوداني، ليكون منصة مؤسسية تجمع الجهات المعنية في البلدين بهدف الوصول إلى مبادرات ومشروعات ومستهدفات واضحة ومخرجات ملموسة.
السعودية والسودان لا يبدآن من الصفر. فالجغرافيا تضع البلدين على ضفتي البحر الأحمر، والسودان يمتلك مساحات زراعية هائلة وثروات معدنية وثروة حيوانية وموقعًا بحريًا استراتيجيًا، بينما تمتلك المملكة رأس المال والخبرة والتقنية والأسواق وسلاسل الإمداد الحديثة.
ففي عام 2025 بلغت صادرات السعودية إلى السودان نحو 3.9 مليار ريال، مقابل واردات سعودية من السودان بلغت نحو 2.0 مليار ريال. أي أن إجمالي التجارة السلعية بين البلدين بلغ قرابة 5.9 مليار ريال فقط وهذا الرقم، رغم أهميته، يبدو متواضعًا للغاية أمام حجم اقتصاد البلدين وحجم الفرص المتاحة.
قبل إنشاء المجلس، أعلنت الحكومة السودانية إعداد نحو 100 مشروع شراكة استراتيجية مع السعودية تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، وتشمل الزراعة والطاقة والمعادن والبنية التحتية والنقل والصحة والتعليم والتكنولوجيا.
وهنا يجب التوقف عند الرقم.
خمسون مليار دولار ليست استثمارًا سعوديًا مؤكدًا حتى الآن، وإنما قيمة تقديرية لحزمة مشاريع سودانية مطروحة للشراكة كن حتى باعتبارها قائمة فرص استثمارية، فإن الرقم يكشف حجم الاحتياج وحجم السوق المحتمل.
فإذا قُسمت القيمة افتراضيًا على 100 مشروع، فإن متوسط المشروع يبلغ نحو 500 مليون دولار. وهذا يعني أننا لا نتحدث عن مشروعات صغيرة متفرقة، وإنما عن مشروعات يمكن أن تصنع قطاعات اقتصادية كاملة.
الحرب ألحقت ضررًا بالغًا بالاقتصاد السوداني. وتشير بيانات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش 13.5% في 2024، قبل أن يسجل نموًا متواضعًا قدره 1.2% في 2025، بينما بقي التضخم عند مستويات مرتفعة بلغت نحو 150.2% في 2025 وهذا يوضح أن القضية ليست مجرد توفير أموال لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما إعادة تشغيل عجلة الإنتاج نفسها.
السودان يحتاج إلى الكهرباء حتى تعمل المصانع، والطرق حتى تتحرك السلع، والموانئ حتى تصل الصادرات إلى الأسواق، والتمويل حتى يعود القطاع الخاص، والتقنية حتى ترتفع إنتاجية الزراعة والصناعة ومن هنا تصبح الشراكة السعودية–السودانية ذات طبيعة مختلفة: استثمار في إعادة تشغيل الاقتصاد، وليس فقط إعادة بناء المنشآت.
إذا كان هناك قطاع قادر على تحويل السودان إلى قوة اقتصادية إقليمية، فهو الزراعة السودان يمتلك الأراضي والمياه والثروة الحيوانية، بينما تمتلك السعودية سوقًا ضخمة وخبرات متقدمة في الزراعة الحديثة وسلاسل التبريد والتصنيع الغذائي واللوجستيات والفرصة الحقيقية لا تكمن في تصدير المحاصيل الخام فقط، بل في إنشاء سلسلة قيمة متكاملة إنتاج → تصنيع → تعبئة → تخزين → نقل → تصدير وهذا يمكن أن ينطبق على الحبوب الزيتية، السمسم، الفول السوداني، الصمغ العربي، الحبوب، اللحوم، الأعلاف، إلى جانب الصناعات الغذائية وبذلك يمكن للسودان أن ينتقل من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد يحصل على الجزء الأكبر من القيمة داخل البلاد.
السودان من الدول الغنية بالذهب والمعادن، لكن التحدي الاقتصادي ليس فقط في استخراج الذهب، وإنما في بناء منظومة تعدين حديثة ترفع الإنتاجية، وتقلل الفاقد، وتزيد الإيرادات الرسمية، وتخلق صناعات وخدمات مرتبطة بالتعدين وهنا يمكن للخبرة السعودية في التعدين والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالموارد الطبيعية أن تشكل قيمة مضافة حقيقية.
السودان يملك ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، وموانئ يمكن أن تتحول إلى منصات للتجارة الإقليمية، بينما تمثل المملكة واحدة من أكبر مراكز النقل والخدمات اللوجستية في المنطقة إن تطوير الموانئ والمناطق الحرة والمخازن وسلاسل النقل البحري والبري يمكن أن يجعل السودان ليس مجرد بلد مصدر، بل مركزًا لوجستيًا يخدم أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وهذه ليست مسألة تجارة فقط؛ فكل دولار يُستثمر في الميناء يمكن أن يولد نشاطًا في النقل والتخزين والتأمين والخدمات والصناعة.
الطاقة.. البداية التي لا يمكن تجاوزها إذ لا يمكن بناء اقتصاد حديث بلا كهرباء ولهذا يجب أن تكون الطاقة ضمن أولويات الشراكة، سواء من خلال إعادة تأهيل الشبكة القائمة، أو إنشاء محطات توليد جديدة، أو التوسع في الطاقة الشمسية، أو تطوير مشروعات الكهرباء المرتبطة بالمناطق الزراعية والصناعية فالطاقة ليست قطاعًا منفصلًا؛ إنها المدخل لكل القطاعات الأخرى.
المفارقة اللافتة أن التجارة السعودية–السودانية في 2025 بلغت نحو 5.9 مليار ريال، بينما تبلغ قيمة حزمة المشاريع السودانية المقترحة أكثر من 50 مليار دولار أي أننا أمام فرصة للانتقال من علاقة تجارية محدودة نسبيًا إلى علاقة استثمارية وإنتاجية واسعة وهذا هو الدور الذي يمكن أن يؤديه مجلس التنسيق.
فالمطلوب ألا يكون المجلس مجرد منصة للاجتماعات، وإنما غرفة عمليات اقتصادية مشتركة تتولى تحديد المشاريع، ودراسة جدواها، وتحديد مصادر التمويل، وتسهيل التراخيص، وحماية المستثمر، ومتابعة التنفيذ.
القوة السعودية اليوم لا تتمثل في رأس المال وحده، بل في منظومة اقتصادية متكاملة فالمملكة حققت في 2025 مساهمة للقطاعات المرتبطة ببرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية بلغت 1.045 تريليون ريال في الناتج المحلي غير النفطي، فيما بلغت الصادرات غير النفطية للمملكة 622.87 مليار ريال. وهنا تكمن أهمية الشراكة بالنسبة للسودان.
السودان لا يحتاج فقط إلى مستثمر سعودي يضع رأس المال في مشروع، بل يحتاج إلى نقل نموذج الإدارة والتقنية والتصنيع واللوجستيات والتصدير إذا نجحت الشراكة في تحويل جزء معتبر من قائمة الـ 100 مشروع إلى مشروعات فعلية، فإن التأثير لن يكون محصورًا في قيمة الاستثمارات.
سيظهر الأثر في (خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة + زيادة الصادرات السودانية + توفير العملات الأجنبية + رفع إنتاجية الزراعة + تطوير الصناعة الغذائية + تحسين البنية التحتية + إعادة تأهيل الكهرباء والنقل والموانئ + توسيع القاعدة الضريبية للدولة + نقل التقنية والخبرات + زيادة ارتباط السودان بسلاسل القيمة الإقليمية والعالمية).
أصعب مرحلة ليست توقيع الاتفاق، وإنما تحويل الورق إلى مصانع ومزارع وطرق وموانئ ومحطات كهرباء والاستثمار يبحث دائمًا عن أربعة أشياء: الأمن، والقانون، والتمويل، والقدرة على تحويل الأرباح لذلك فإن نجاح المجلس يتطلب إنشاء آلية تنفيذية واضحة، وربط كل مشروع بجدول زمني ومؤشرات أداء ومصدر تمويل وجهة مسؤولة.
كما أن إصلاح النظام المصرفي وتسهيل التحويلات المالية يمثلان شرطًا أساسيًا لعودة الاستثمارات والتجارة بين البلدين، وهو ملف كان مطروحًا بالفعل ضمن التحضيرات للمنتدى الاقتصادي السوداني–السعودي.
للسعودية سجل طويل في دعم السودان، خصوصًا في الأزمات الإنسانية والسياسية. لكن مجلس التنسيق يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة: مرحلة الشراكة الاقتصادية والتنموية وهذه هي النقلة التي يحتاجها السودان بشدة فالمساعدات تخفف آثار الأزمة، أما الاستثمار فيعيد بناء القدرة على الإنتاج والفرق بين الاثنين هو الفرق بين اقتصاد يعيش على الدعم واقتصاد يستطيع أن يمول مستقبله بنفسه.
مجلس التنسيق السعودي–السوداني ليس مجرد إطار دبلوماسي؛ إنه فرصة اقتصادية نادرة السودان يملك الأرض والموارد والموقع والثروة الحيوانية والمعدنية، والسعودية تملك رأس المال والخبرة والتقنية والسوق والمنظومة اللوجستية وإذا نجح البلدان في تحويل قائمة الـ 100 مشروع المقترحة، التي تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار، إلى مشروعات مدروسة وممولة وقابلة للتنفيذ، فإن العلاقة الاقتصادية بين الرياض والخرطوم يمكن أن تدخل مرحلة غير مسبوقة.
السعودية تبحث عن فرص استثمارية وتنويع اقتصادي، والسودان يبحث عن إعادة إعمار وإعادة تشغيل اقتصاده
وهنا تلتقي المصالح ولذلك فإن السؤال لم يعد: هل توجد فرص اقتصادية بين البلدين؟ بل أصبح السؤال الحقيقي كم مشروعًا من الـ 100 مشروع سيخرج من قائمة الفرص إلى أرض الواقع؟ ومتى؟ فنجاح مجلس التنسيق لن يقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها، وإنما بعدد المصانع التي تعمل، والمزارع التي تنتج، والموانئ التي تتوسع، ومحطات الكهرباء التي تضيء، والوظائف التي تُخلق، والصادرات التي تدخل السودان من الأسواق العالمية وتلك هي اللحظة التي تتحول فيها العلاقات التاريخية بين الرياض والخرطوم من رصيد سياسي وإنساني إلى قوة اقتصادية تصنع المستقبل.

