من إعادة الإعمار إلى بناء الدولة.. «التعافي الوطني» يفتح نقاشًا جديدًا حول مستقبل السودان
الدوحة حسن ابوعرفات مجلة حواس
شهد مقر السفارة السودانية بالدوحة محاضرة استراتيجية بعنوان «قيادة التعافي الوطني أثناء الحرب وما بعدها»، قدمها الدكتور عبد الله جودت رزق الله، الاستشاري والخبير الاستراتيجي، بدعوة من سعادة السفير بدر الدين عبد الله، وبحضور عدد من أعضاء اللجنة الاستشارية العليا.
وطرحت المحاضرة رؤية عملية جديدة للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب، تقوم على أن التعافي الوطني لا يعني فقط إعادة بناء ما دمرته الحرب، وإنما إعادة بناء قدرة الدولة والمجتمع على العمل والاستمرار واستعادة الثقة.
وأكد الدكتور عبد الله جودت أن التعافي ينبغي أن ينظر إليه باعتباره عملية متكاملة تشمل استعادة الوظائف الأساسية، وحماية الحقوق، واستعادة الخدمات، وإعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة، مع مراعاة الاختلاف الكبير في أوضاع المناطق السودانية.
وشهدت المحاضرة نقاشًا تفاعليًا مع أعضاء اللجنة، تناول كيفية تحديد أولويات التدخل في ظل محدودية الموارد واستمرار حالة عدم اليقين. وركزت المناقشات على أهمية الانتقال من التعامل مع السودان ككتلة واحدة إلى تصنيف المناطق وفق حالتها التشغيلية، بدءًا من مناطق النزاع النشط، مرورًا بالاستقرار الهش، وصولًا إلى مناطق التعافي الناشئ القابل للتوسع.
كما تناولت المحاضرة صناعة القرار في ظل نقص وتضارب البيانات، مؤكدة أن غياب المعلومات الكاملة لا ينبغي أن يؤدي إلى شلل القرار، وإنما يستدعي قرارات مؤقتة قابلة للمراجعة، تستند إلى ما هو متاح من بيانات، مع تحديد الافتراضات ومؤشرات التحقق وآليات المتابعة.
وفي محور آخر، ناقشت المحاضرة كيفية ترتيب أولويات إعادة الإعمار والتعافي، بحيث توجه الموارد المحدودة إلى المشروعات التي تحمي الحياة، وتفك الاختناقات، وتفتح المجال أمام أكبر عدد من النتائج، وتراعي العدالة والقدرة المحلية على التنفيذ والاستدامة.
كما أفردت المحاضرة مساحة للدور الذي يمكن أن يؤديه السودانيون في الخارج، مؤكدة أن مساهمة الخبرات والموارد الخارجية ينبغي أن تبدأ من احتياج يحدده الداخل وقدرة محلية على استيعاب الدعم، مع نقل المعرفة وبناء القدرات، وليس مجرد تنفيذ مشروعات مؤقتة.
وتأتي أهمية المحاضرة في توقيت يواجه فيه السودان تحديات هائلة تتعلق بإعادة بناء مؤسساته واقتصاده وخدماته الأساسية، حيث تطرح منهجًا يقوم على التعلم المستمر، وقياس النتائج، وترتيب الأولويات، والقدرة على تعديل القرارات مع تغير الظروف.
واختُتمت المحاضرة بسؤال يلخص جوهر المسؤولية الفردية والوطنية في مرحلة التعافي:
«ماذا سأقدم للسودان؟ وما النتيجة القابلة للملاحظة التي ستدل على نجاح مساهمتي؟»
وهو سؤال ينقل التعافي الوطني من دائرة الشعارات العامة إلى مساهمات محددة، ونتائج قابلة للقياس، ومسؤوليات واضحة يمكن متابعتها ومحاسبتها


