*نعم دفاعاً عن آمنة ميرغني (2)*
د. عادل التجاني
رغم غياب معلومات كثيرة عني، إذ يعمل بنك السودان في ظروف معقدة تجعل الشفافية المطلقة سلاحاً ذا حدين، إلا أن ما لدي منها يمكنني من القول وبكل ثقة الآتي:
ماذا فعلت آمنة ميرغني وقطاعاتها المتخصصة ونوابها تجاه العوامل التي تؤثر في سعر الصرف؟
بعد أن أوضحنا أن سعر الصرف لا تحدده جهة واحدة، وأن تدهوره في السودان يرتبط بتشابك الحرب وتراجع الإنتاج والصادرات واختلال المالية العامة وميزان المدفوعات وشح النقد الأجنبي والمضاربة والتوقعات السلبية، يبقى من الإنصاف أن نسأل السؤال المقابل:
ما الذي فعلته آمنة ميرغني وبنك السودان تجاه العوامل التي تقع فعلياً ضمن نطاق مسؤولية البنك المركزي؟
هنا يجب أن يبدأ التقييم الموضوعي.
*أولاً: إصلاح الجهاز المصرفي باعتباره قناة انتقال السياسة النقدية*
لا يمكن لبنك مركزي أن يدير سياسة نقدية فعالة من خلال جهاز مصرفي أنهكته الحرب وفقد جزءاً من أصوله وفروعه وموارده. ولذلك كان من الضروري أن يبدأ الإصلاح من البنوك التجارية نفسها، باعتبارها القناة الأساسية التي تنتقل عبرها السياسة النقدية إلى الاقتصاد.
وفي هذا الإطار اتُخذت سياسات لمعالجة آثار الحرب على المصارف، بما في ذلك التعامل مع الديون والتعثرات التي نشأت أو تفاقمت بسبب الحرب وفق منهج يخفف أثر الخسائر ولا يحمل البنوك دفعة واحدة أعباءً قد تعجز عن استيعابها.
*ثانياً: تقوية رؤوس أموال المصارف*
دُفعت البنوك إلى زيادة رؤوس أموالها وتعزيز ملاءتها المالية، مع الاتجاه إلى تقييم وتصنيف أوضاعها وفق معايير رقابية ومصرفية أكثر صرامة.
وهذه ليست مسألة إدارية منفصلة عن سعر الصرف؛ فالبنك ضعيف رأس المال تقل قدرته على تمويل النشاط الاقتصادي واستقطاب الودائع والتعامل مع المخاطر، بينما الجهاز المصرفي القوي يزيد قدرة الدولة على إعادة الوساطة المالية إلى القنوات الرسمية.
*ثالثاً: تحسين البيئة التقنية واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي*
كان تحسين البنية التقنية للمصارف ضرورة في اقتصاد أضعفت الحرب فيه العمل المصرفي التقليدي وأدت إلى تراجع الوصول إلى الفروع والخدمات.
وتطوير الخدمات المصرفية والتقنية لا يعني فقط تسهيل المعاملات، وإنما يساعد على استعادة الثقة، وجذب الأموال إلى داخل الجهاز المصرفي، وزيادة قدرة البنوك على تعبئة الموارد المحلية وموارد النقد الأجنبي بدلاً من بقائها خارج النظام الرسمي.
*رابعاً: التحرك نحو تحرير سعر الصرف بصورة تدريجية*
بدلاً من إحداث صدمة مفاجئة، اتُبع اتجاه نحو التحرير التدريجي لسعر الصرف بما يسمح للمصارف بزيادة قدرتها على استقطاب موارد النقد الأجنبي وتقليص الفجوة مع السوق الموازي.
والهدف الاقتصادي هنا واضح: كلما أصبح السعر الرسمي أكثر قدرة على المنافسة، قلت الحوافز التي تدفع موارد النقد الأجنبي بعيداً عن الجهاز المصرفي.
*خامساً: دعم الإنتاج، وخاصة الزراعة والصادرات والأمن الغذائي*
من أهم عناصر الدفاع عن السياسة المتبعة أن التدخل لم يقتصر على الجانب النقدي.
فقد شهد القطاع الزراعي دعماً وتمويلاً واسعاً، مع اهتمام خاص بالقطاعات المرتبطة بالصادرات والأمن الغذائي.
وهذه نقطة جوهرية في قضية سعر الصرف؛ لأن العلاج المستدام للعملة لا يتم فقط بتقييد الطلب على الدولار، وإنما بزيادة إنتاج السلع القابلة للتصدير وزيادة تدفقات النقد الأجنبي، وفي الوقت نفسه زيادة الإنتاج المحلي للسلع التي كان يمكن استيرادها.
أي أن السياسة استهدفت جانبي المعادلة: زيادة عرض النقد الأجنبي وتقليل الطلب عليه.
*سادساً: مساندة البنوك الأضعف إدارياً ومؤسسياً*
لم يقتصر التعامل مع البنوك الضعيفة على المطالبة بتحسين أرقامها، وإنما امتد إلى دعم بعضها بكوادر وخبرات قادرة على مساعدتها في تجاوز آثار الأزمة وإعادة بناء قدراتها المؤسية.
وهذا مهم لأن سلامة الجهاز المصرفي لا تقاس فقط بأقوى بنوكه، وإنما أيضاً بقدرته على معالجة نقاط الضعف التي قد تتحول إلى مخاطر على النظام المصرفي ككل.
*سابعاً: التدخل في سوق النقد الأجنبي عند الضرورة*
لم يقف بنك السودان موقف المتفرج أمام تحركات سعر الصرف، وإنما تدخل في حدود إمكاناته للتأثير في السوق من خلال ضخ النقد الأجنبي.
لكن من المهم هنا التمييز بين التدخل لتخفيف التقلبات وبين محاولة تثبيت سعر غير قابل للاستمرار.
فاحتياطيات النقد الأجنبي مورد محدود، ولا يمكن استخدامها بلا نهاية للدفاع عن سعر صرف إذا كانت الأسباب الأساسية للضغط على العملة ما تزال قائمة.
*ثامناً: السيطرة على الاستدانة من الجهاز المصرفي*
من أخطر العوامل التي يمكن أن تضغط على العملة تمويل العجز الحكومي بالتوسع النقدي والاستدانة من الجهاز المصرفي.
ومن الإجراءات المهمة في هذا الجانب تحقيق درجة عالية من السيطرة على حجم هذه الاستدانة، لأن الحد منها يعني الحد من أحد المصادر الأساسية للتوسع في السيولة والطلب اللاحق على العملات الأجنبية.
وهذه من أكثر الإجراءات ارتباطاً مباشرة باستقرار المستوى العام للأسعار وسعر الصرف.
*تاسعاً: التعامل مع اختلال ميزان المدفوعات*
جرى كذلك التدخل ضمن حدود أدوات البنك المركزي للتأثير في ميزان المدفوعات ومحاولة تخفيف الاختلال بين موارد البلاد من النقد الأجنبي ومدفوعاتها الخارجية.
وهنا يجب التأكيد مجدداً أن البنك المركزي يستطيع إدارة جانب من هذه الاختلالات، لكنه لا يستطيع بمفرده إنتاج الصادرات أو إنهاء الحرب أو إعادة المصانع والمزارع المتوقفة إلى الإنتاج.
*عاشراً: استقطاب التمويل والاستثمارات الخارجية*
اتُبع أيضاً منهج لاستقطاب التمويلات والاستثمارات الخارجية، وهي مسألة شديدة الأهمية في هذه المرحلة؛ لأن إعادة بناء الاحتياطيات وتحسين ميزان المدفوعات لا يمكن أن تعتمد فقط على أدوات السياسة النقدية الداخلية، وإنما تحتاج كذلك إلى تدفقات حقيقية من النقد الأجنبي والاستثمار ورؤوس الأموال.
*السؤال أكثر دقة وعدالة:*
إذا كانت أسباب تدهور سعر الصرف تشمل الحرب، وتراجع الإنتاج، وضعف الصادرات، واختلال ميزان المدفوعات، وشح موارد النقد الأجنبي، والمضاربة، وتوقعات المتعاملين، والطلب المرتفع على الاستيراد، فهل من المنطقي تحميل محافظ البنك المركزي وحدها نتيجة كل هذه العوامل؟
وفي المقابل، عندما ننظر إلى المساحة التي يستطيع البنك المركزي التحرك داخلها، نجد الإجراءات التي تمت والسياسات التي وُضعت لإصلاح الجهاز المصرفي، وتقوية رؤوس الأموال، ومعالجة آثار الحرب على البنوك، وتحسين البيئة التقنية، والتحرك التدريجي في سعر الصرف، ودعم القطاعات الإنتاجية، وضبط الاستدانة، والتدخل في سوق النقد الأجنبي، والعمل على ميزان المدفوعات واستقطاب الموارد الخارجية.
هذا لا يعني أن السياسات كانت كاملة وآتت أكلها ولا أن كل إجراء حقق النتيجة المستهدفة بالكامل؛ فذلك أمر قابل للنقد والتقييم بالأرقام. ويعتمد على عوامل أخرى كثيرة خارج إطار إصدار السياسات ومتابعة تنفيذها، وأهمها تأثيرات السوق غير الرسمي.
لكن الإنصاف الاقتصادي العلمي يقتضي أن يكون النقد موجهاً إلى ما كان في مقدور آمنة ميرغني وبنك السودان فعله ولم يفعلاه، لا إلى تحميلهما نتائج عوامل تقع في جانب كبير منها خارج حدود السياسة النقدية.
ومن أراد أن يقول إن آمنة ميرغني هي المسؤولة عن تدهور سعر الصرف، فعليه أن يجيب أولاً عن سؤالين:
أي سبب من أسباب التدهور كان تحت سيطرتها المباشرة ولم تتعامل معه؟
وأي سياسة بديلة كان يمكن تطبيقها في ظروف الحرب وكانت ستؤدي فعلاً إلى نتيجة أفضل؟
عندها فقط ينتقل النقاش من تحميل المسؤولية للأشخاص والهمز واللمز إلى التقييم الاقتصادي الموضوعي للسياسات والنتائج.

