أهو كلام والسلام
الريف المهجور والتنمية المستدامة
فؤاد قبانى
كثيرًا ما تمنيت أن يعود بي الزمان، فأعيش في الريف، أزرع وأفلح الأرض، وأسقي السعية. والأرض لا تخيّب سعيك؛ إن أعطيتها أعطتك، وأنت سعيد مع من حولك، أناس قلوبهم صافية بيضاء، في صفاء وبياض حليب أغنامهم وأبقارهم. وإذا نمت، نمت قرير العين، لا همَّ ولا جَرَي، وأنت في المدينة تطارد المجهول وتجري وراء السراب؛ حياة كلها تعب ونصب.
أهل الريف تبدّل حالهم بعد هجمة الدعم السريع، التي لم يراعوا في أهل الريف إلًّا ولا ذمّة؛ سرقوا الماشية والمحاصيل، وحتى التقاوى، وأذلّوا الناس وهجّروهم من ديارهم.
والآن اكتظّت أطراف المدن والعواصم بالنازحين من الشباب والنساء والكهول والأطفال، وما زالت المدن تئن من ويلات النزوح منذ عام 1984 بسبب الجفاف والتصحر.
المشكلة الآن: كيف نعيد أهل القرى إلى قراهم، ونُصلح حال الريف؟
حال الريف السوداني قبل الحرب لم يكن يسرّ بسبب عدم توفر المياه. وحتى إن وُجد البئر، فالمشكلة لم تكن دائمًا في نضوبها، وإنما في خراب الطلمبات وعدم توفر الوقود. المدارس تعطلت، وتشَلّعت أسقفها، والمعلم بلا راتب وبلا معين، والمزارع إذا باع محصوله لا يكفيه العائد لسد احتياجاته.
إن أردنا لريِفنا الحبيب أن يعمر، وأن ينصلح حال المزارع، ويزدهر الزرع، ويمتلئ الضرع، فذلك ممكن. ولكن علينا أولًا إيجاد إدارة أهلية فاعلة، تخاف الله في رعاياها، ولا تجامل، ويكون همّها السلام والأمان والتكافل بين الناس.
أما الجانب الإداري الحكومي، فيتمثل في موظف المحلية، وعامل الصحة، والمرشد الزراعي، وإمام المسجد والفقيه، والمدرس الذي لا يبخل على التلاميذ بالمعرفة. وهذه المتطلبات، رغم بساطتها، إذا توفرت يمكن أن تضع الأساس لقيام قرية نموذجية.
وللحكومة دور أساسي يبدأ بتوفير مصادر المياه. هل تذكرون هيئة توفير المياه؟ يجب إعادة هذه الهيئة لتلعب دورها من جديد. فما زالت مبانيها قائمة، ولكن المعدات، إن بقي منها شيء، فهي لا تفي بالغرض المطلوب. يجب تجديد المعدات والآليات، وتعيين كوادر عاملة قادرة على العطاء. ويمكن الاستعانة بخبرات وعمالة مصرية وصينية وفلبينية، لأننا فقدنا جزءًا كبيرًا من العمالة المدربة منذ أن فشلنا في تطوير مراكز التدريب المهني والتأهيل لتخريج الفنيين والعمالة الماهرة.
اليوم لم تعد ماكينات حفر الآبار كما كانت في السابق؛ ضخمة وعلى شاحنات كبيرة. وهذه الماكينات قد نحتاج إليها في حفر الآبار العميقة، ولكن الآبار السطحية (Shallow Wells) تحتاج إلى ماكينات حديثة قليلة التكلفة، لا تتجاوز تكلفة بعضها عشرة آلاف دولار، بينما قد تتجاوز تكلفة الماكينات الكبيرة ربع مليون دولار.
وعلينا أن نفكر في قيام مصنع للمواسير الخاصة بتغليف الآبار (Casing Pipes)، وكذلك تصنيع الأعمدة أو الأسياخ التي تنقل الحركة إلى الطلمبة في الأعماق. ويمكن أيضًا إدخال الطاقة الشمسية واستخدام الطلمبات الغاطسة.
إن الاعتماد على الطاقة الشمسية والطاقة البديلة كمصدر أساسي لكهرباء القرى والأرياف، في استخراج المياه والإضاءة، هو البديل الأمثل. أما في الزراعة، فقد ظهرت محاريث صغيرة قليلة التكلفة، بدلًا من الاعتماد الكامل على الجرارات الكبيرة، وهي مناسبة للزراعات والمساحات الصغيرة.
وأيضًا لا بد من تغيير النمط التقليدي في السعاية ورعاية الحيوان، والعمل على تطوير السلالات واختيار الأنواع التي تتميز بإنتاج جيد من اللحم واللبن.
ولا بد كذلك من تدريب القابلات، ومساعدي الأطباء، وملاحظي الصحة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية، والصحة الإنجابية، وصحة البيئة، وصحة الحيوان، والمحافظة على نظافة القرية.
كما يجب أن تكون للمرشدين الزراعيين زيارات منتظمة للقرى وفق جدول ثابت، لتقديم الخدمات الإرشادية للمزارعين، ومساعدتهم على تحسين الإنتاج واستخدام التقانات الحديثة.
همّنا الآن هو: كيف نعيد حياة الريف إلى أفضل مما كانت عليه؟
فلو اجتهدنا، وأحسنّا توظيف مواردنا، وأعدنا بناء الخدمات الأساسية، لأصبح الريف قبلة لأهله، ولكل من يريد أن يستثمر في الزراعة أو الإنتاج الحيواني.
علينا أن نفكر ونخطط، وأن نحسن التخطيط، وننضبط في التنفيذ، ونحسن النية والقول والعمل.
فاستووا… يرحمكم الله.

