الخرطوم.. حين ينتصر الإنسان على الخراب
– من الوجع تبدأ الحكاية.. ومن الإنسان يبدأ التعافي
– الإعلام المسؤول يصنع الوعي الذي تحتاجه الدولة السودانية الجديدة
الخرطوم حسن ابوعرفات
من الخرطوم، لا تبدو الصورة كما قد يرسمها البعيدون في مخيلتهم. نعم، الحرب تركت ندوبها العميقة على المدينة، وأصابت مؤسساتها ومبانيها وبنيتها التحتية، وتركت خلفها مشاهد قاسية لا يستطيع القلب أن يتجاوزها بسهولة. لكن الخرطوم، في المقابل، تكشف وجهاً آخر أكثر أهمية: وجه الإنسان السوداني الذي رفض أن يموت مع الخراب.
هذه هي المرة الاولي التي أصل فيها إلى السودان خلال السنوات الثلاث الماضية منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. وفي كل مرة كنت أحمل معي أسئلة كثيرة، لكن هذه المرة كان السؤال أكثر إلحاحاً: ماذا تبقى من الخرطوم بعد كل ما جرى؟
وكانت الإجابة التي وجدتها في الشارع، وفي وجوه الناس، وفي حركة الحياة اليومية، أكثر قوة من كل التقارير والصور.
تبقى الإنسان.
هبطت الطائرة، وكانت مشاعر متناقضة تتصارع في داخلي. فرحة العودة إلى الوطن امتزجت بوجع ما رأته العين. الخرطوم التي عرفناها لم تعد كما كانت؛ آثار الدمار والرصاص والدانات والدخان حاضرة في أماكن كثيرة، والمباني والمؤسسات التي كانت جزءاً من ذاكرة المدينة تحمل آثار الحرب.
لكن المفارقة الكبرى أن الخراب كان في الحجر أكثر مما كان في الإنسان.
ففي الشوارع، رأيت موظفين وعمالاً وشباباً ونساءً يمارسون أعمالهم، ويواصلون حياتهم، ويبحثون عن رزقهم، ويؤدون واجباتهم، وكأن الإنسان السوداني قرر أن يقول للحرب: لن تستطيعوا أن تهزموا الحياة.
وهنا تكمن أعظم ثروة يمتلكها السودان في مرحلة ما بعد الحرب.
ليست الثروة في النفط أو الذهب أو الأراضي الزراعية وحدها، ولا في الموارد الهائلة التي تزخر بها البلاد؛ وإنما في الإنسان السوداني نفسه، ذلك الإنسان الذي تحمل سنوات الحرب والنزوح والفقدان والخوف، ثم عاد ليحمل أدوات العمل بدلاً من أدوات الموت، ويعيد الحياة إلى وطنه حجراً حجراً.
الإعلام.. شريك في معركة التعافي
ولعل انعقاد ورشة الاتحاد العام للصحفيين السودانيين حول قضايا الإعلام في الخرطوم، بمشاركة أكثر من 160 صحفي وإعلامي من داخل السودان وخارجه في كافة التخصصات والأنشطة ، يمثل مؤشراً مهماً على أن مرحلة جديدة بدأت تتشكل.لبناء دور إعلامي مساند للتعافي الوطني
لم تكن الورشة مجرد لقاء مهني لمناقشة قضايا الصحافة، وإنما كانت، في تقديري، تعبيراً عن حاجة السودان إلى إعادة تعريف وظيفة الإعلام في مرحلة ما بعد الحرب.
وقد أدار رئيس الاتحاد بالإنابة الأستاذ محمد الفاتح أحمد النقاش بروح توافقية، فيما تناول الأمين العام للاتحاد الأستاذ صلاح عمر الشيخ تحديات الصحافة في المرحلة المقبلة من الجوانب المهنية والقانونية، بينما قدم الدكتور مزمل أبو القاسم مشروع ميثاق الشرف الإعلامي، باعتباره إطاراً لتنظيم الممارسة المهنية وترسيخ المسؤولية الصحفية.
والأهم من الأوراق والنقاشات أن الصحفيين التقوا حول مبادئ أساسية: حرية الصحافة، استقلاليتها، مهنيتها، مسؤوليتها الوطنية، ودورها في الحفاظ على وحدة السودان ومؤسسات الدولة.
وهذه ليست شعارات عابرة.
ففي الدول الخارجة من الحروب، تصبح الكلمة جزءاً من عملية إعادة البناء، ويصبح الإعلام مسؤولاً عن إعادة الثقة بين المواطن والدولة، ومحاربة الشائعات وخطاب الكراهية، وتقديم المعلومات الصحيحة، وفتح المجال أمام النقاش الوطني المسؤول.
لكن ذلك يتطلب إعلاماً قوياً ومستقلاً ومهنياً، لا إعلاماً تابعاً أو موجهاً.
السودان يحتاج إلى إعلام يبني ولا يهدم
لقد تغير العالم، وتغيرت معه صناعة الصحافة بصورة جذرية. لم تعد الصحيفة الورقية وحدها هي المصدر الرئيسي للمعلومة، ولم تعد غرف الأخبار تعمل بالطريقة التقليدية. الصحافة الرقمية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي، وصحافة البيانات، والمحتوى المرئي والمسموع، كلها أصبحت جزءاً من المشهد الإعلامي الجديد.
ولهذا فإن تعديل قانون الصحافة أصبح ضرورة تفرضها المتغيرات، وليس مجرد مطلب مهني.
والسودان يحتاج، في هذه المرحلة، إلى تشريعات تضمن حرية الصحافة ومسؤوليتها في آن واحد، وتحمي الصحفي والمؤسسة الإعلامية، وتضع قواعد واضحة للممارسة المهنية، وتواكب التطور العالمي في صناعة الإعلام.
كما يحتاج إلى ميثاق شرف إعلامي حقيقي يلتزم به الجميع، تكون فيه المهنية والدقة واحترام كرامة الإنسان ونبذ خطاب الكراهية والتحريض والتضليل قواعد أساسية لا تخضع للمزاج السياسي.
من صحافة الحرب إلى صحافة بناء الدولة
ربما يكون التحدي الأكبر أمام الإعلام السوداني اليوم هو الانتقال من صحافة الحرب إلى صحافة السلام والتعافي وإعادة البناء.
لقد كان طبيعياً أن ينشغل الإعلام طوال سنوات الحرب بالمعارك والأحداث الأمنية والسياسية، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أجندة مختلفة.
نحتاج إلى صحافة تسأل:
كيف نعيد بناء المدارس والمستشفيات؟
كيف تعود المصانع إلى العمل؟
كيف يستعيد الاقتصاد عافيته؟
كيف تعود الاستثمارات؟
كيف نعالج آثار النزوح؟
كيف نعيد تأهيل البنية التحتية؟
كيف نخلق فرص العمل للشباب؟
كيف نستعيد الثقة بين السودانيين؟
وكيف نبني دولة حديثة تستفيد من مواردها الهائلة وتضعها في خدمة المواطن؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر أجندة الإعلام الوطني في المرحلة المقبلة.
ومن هنا تأتي أهمية المقترحات التي طرحت خلال الورشة بشأن تأسيس صحف ومنصات قومية قادرة على مواكبة مرحلة تأسيس الدولة السودانية بعد الحرب.التوصيات كثيره شملت ست قطاعات هامة وخطة عمل إسعافية لفتره أربعة اشهر كمرحلة اولي تحكمها ضوابط محدده لضمان إنفاذها علي الارض
الخرطوم لا تحتاج إلى الرثاء.. بل إلى العمل والتكاتف والتعاضد
ما رأيته في الخرطوم جعلني أكثر اقتناعاً بأن المدينة لا تحتاج إلى من يرثيها بقدر ما تحتاج إلى من يعمل من أجلها.
نعم، الخراب مؤلم.
ونعم، هناك مبانٍ ومؤسسات تحتاج إلى إعادة إعمار، ومدناً وقرى تحتاج إلى خدمات، واقتصاداً يحتاج إلى إنعاش، ومجتمعاً يحتاج إلى تضميد جراحه.
لكن كل ذلك يمكن إصلاحه.
فالحديد يمكن استبداله، والمباني يمكن إعادة تشييدها، والطرق يمكن تعبيدها، والمصانع يمكن تشغيلها، والمؤسسات يمكن إعادة بنائها.
أما الإنسان إذا فقد الأمل، فهنا تكمن الكارثة.
والذي رأيته في الخرطوم هو أن الأمل لم يمت.
في وجوه العمال البسطاء، وفي النساء اللاتي يحملن مسؤوليات أسرهن، وفي الشباب الذين يعودون إلى أعمالهم، وفي الصحفيين الذين يجتمعون لمناقشة مستقبل مهنتهم، وفي كل سوداني يحاول أن يبدأ يومه رغم قسوة الظروف، هناك إعلان صامت بأن الحياة أقوى من الحرب.
الدوحة.. وذاكرة الوفاء
وفي هذه العودة إلى السودان، لا يمكن أن تمر الإشارة إلى الدوحة دون استحضار تلك العلاقة الإنسانية العميقة التي صنعتها السنوات.
قطر كانت بالنسبة لكثير من السودانيين مساحة للعيش والعمل والتعلم، ووطناً ثانياً احتضن أجيالاً من السودانيين.
وإذا كان الوطن السوداني هو الجذر، فإن قطر كانت، بالنسبة لكثيرين، إحدى المساحات التي احتضنت هذا الجذر وساعدته على النمو.
وهي علاقة تتجاوز المصالح الاقتصادية والسياسية إلى علاقات إنسانية واجتماعية وثقافية راسخة.
المعركة الحقيقية بدأت الآن
انتهت مرحلة، أو ينبغي أن تنتهي، وبدأت مرحلة أصعب: مرحلة بناء السلام، وإعادة الإعمار، واستعادة الاقتصاد، وترميم النسيج الاجتماعي، وبناء الدولة.
وهذه المعركة لا يخوضها الجيش وحده، ولا السياسيون وحدهم، ولا رجال الأعمال وحدهم.
إنها معركة كل السودانيين.
العامل، والطبيب، والمهندس، والمعلم، والصحفي، ورجل الأعمال، والموظف، والمزارع، والمرأة والشباب.
كل واحد منهم يملك جزءاً من مفتاح الخروج من الأزمة.
وفي هذه المعركة سيكون الإعلام في مقدمة الصفوف، ليس باعتباره بوقاً لأي طرف، وإنما باعتباره سلطة مهنية وأداة للوعي الوطني ومرآة للمجتمع ومنصة للحوار.
نحتاج إلى إعلام يختلف فيه السودانيون دون أن يقتتلوا، ويتناقشون دون أن يتخوين بعضهم بعضاً، وينتقدون دون أن يهدموا وطنهم.
نحتاج إلى إعلام يرى أخطاء الدولة ويكشفها، لكنه في الوقت نفسه يرى إنجازاتها وينقلها.
إعلام يناصر المواطن، ويحمي الحقيقة، ويدافع عن وحدة البلاد، ويضع المصلحة الوطنية فوق الاستقطاب.
السودان بخير.. لأن إنسانه بخير
خرجت من الخرطوم وأنا أحمل صورة مختلفة عن تلك التي دخلت بها.
لم تختفِ آثار الحرب، ولم تنتهِ المآسي، ولم تُحل كل المشكلات.
لكنني رأيت ما هو أهم:
رأيت السودان حياً.
رأيت مواطناً يفتح متجره، وموظفاً يذهب إلى عمله، وعاملاً يؤدي مهمته، وصحفياً يحمل قلمه، وامرأة تكافح من أجل أسرتها، وشاباً يحلم بغد أفضل.
وهذه التفاصيل الصغيرة هي في حقيقتها أعظم مشاهد الانتصار على الحرب.
فالدول لا تنهض فقط بقرارات السياسيين، وإنما تنهض حين يستعيد المواطن ثقته بأن الغد يستحق أن يعمل من أجله.
ولذلك فإن الرسالة التي أعود بها من الخرطوم ليست أن كل شيء بخير، بل إن السودان قادر على أن يكون بخير.
الطريق طويل، والجراح عميقة، وإعادة البناء ستكون شاقة ومكلفة.
لكن الخرطوم أثبتت شيئاً واحداً:
قد تهدم الحرب الحجر، لكنها لا تستطيع هدم إرادة الإنسان.
ومن الإنسان تبدأ النهضة.
ومن الأمل يبدأ التعافي.
ومن الإعلام المسؤول تبدأ صناعة الوعي الذي تحتاجه الدولة السودانية الجديدة.
السودان لم ينتهِ.. السودان بدأ رحلة جديدة

