* مؤتمر رجال المال والأعمال .. هل يبدأ تشغيل السودان من هنا؟*
*
سمير سيد عثمان
من يعيد تشغيل السودان؟ سؤال يبدو أكبر من إجابة واحدة ،، لكنه يقودنا إلى سؤال أكثر إلحاحًا :
*هل ننتظر أن يأتي البناء من الخارج ،، أم نبدأ بتحريك ما نملكه من طاقات ورؤوس أموال وخبرات في الداخل والخارج؟*
في بلد أنهكته الحرب ،، وتراجعت عجلة الإنتاج فيه ،، وتضررت بنيته الاقتصادية ،، لم يعد الوقت يسمح بأن تظل الأفكار الجيدة حبيسة النقاش ..
نحن أمام لحظة تحتاج إلى مبادرات تفتح الأبواب ،، وتجمع الإرادة الوطنية ،، وتحوّل رأس المال من قوة كامنة إلى قوة فاعلة في إعادة البناء ..
ومن هنا تأتي دعوة منصة *(حواس)* ورئيس تحريرها *الأستاذ طارق شريف ساتي* إلى قيام مؤتمر جامع لرجال المال والأعمال لدعم الاقتصاد ،، مقترحًا أن يحظى برعاية *رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان* ،، باعتباره خطوة تستحق أن تنتقل من مساحة الإشادة إلى مساحة الفعل ..
أهمية هذه المبادرة أنها لا تنظر إلى رجال المال والأعمال باعتبارهم مجرد ممولين لمشروعات تجارية ،، بل باعتبارهم جزءًا أصيلًا من معركة التعافي الاقتصادي ..
فالسودانيون في الداخل والخارج يمتلكون رؤوس أموال وخبرات وتجارب واسعة ،، لكن ما ينقص هذه الطاقات هو منصة وطنية جامعة تلتقي فيها مع الدولة ،، وتتحول فيها الرغبة في المساهمة إلى مشروعات واضحة ،، وأولويات محددة ،، وآليات تنفيذ قابلة للقياس ..
لذلك يمكن أن يكون المؤتمر أكثر من لقاء اقتصادي عابر ..
يمكن أن يكون نقطة التقاء بين القرار ورأس المال والخبرة والإنتاج ،، أو ما يشبه غرفة عمليات اقتصادية وطنية تضع أمامها سؤالًا واحدًا :
*كيف نعيد تشغيل اقتصاد السودان؟*
فالسودان لا يفتقر إلى الموارد التي تؤهله للنهوض :
أرض زراعية ،، وثروة حيوانية ،، وموارد معدنية ،، ومياه ،، وموقع جغرافي ،، وخبرات بشرية ،، وقاعدة صناعية يمكن إعادة تأهيلها ..
لكن الموارد وحدها لا تصنع اقتصادًا قويًا ..
الثروة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الموارد إلى إنتاج ،، والإنتاج إلى قيمة مضافة ،، والقيمة المضافة إلى فرص عمل ودخل وصادرات ..
وهنا ينبغي أن يكون الإنتاج قلب أي نقاش حول إعادة الإعمار ..
فكل مصنع يعود إلى العمل لا يعيد إنتاج سلعة فحسب ،، بل يعيد معه وظائف توقفت ،، وحركة نقل وخدمات ،، وطلبًا على المواد الخام ،، ونشاطًا مصرفيًا وتمويليًا ..
وكل مصنع جديد ينتج سلعة كان السودان يستوردها يعني تقليل الضغط على النقد الأجنبي ،، وتقليص فاتورة الاستيراد ،، وإبقاء جزء من القيمة داخل الاقتصاد الوطني ..
والأمر نفسه ينطبق على الزراعة ،، حيث يمكن للمشروع الناجح أن يخلق سلسلة كاملة من الأنشطة :
مدخلات ،، نقل ،، تخزين ،، تصنيع غذائي ،، تعبئة ،، ثم تصدير ..
إذن إعادة الإعمار ليست فرصة لإعادة ما كان فقط ،، بل لبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وقدرة على خلق القيمة ..
ومن هنا تأتي أهمية أن يكون المؤتمر المقترح مختلفًا في مخرجاته ..
السودان لا يحتاج إلى مؤتمر آخر تنتهي قصته بانتهاء الجلسة الختامية ،، بل إلى مؤتمر تبدأ قصته الحقيقية بعد اختتام أعماله ..
نحتاج إلى خريطة طريق واضحة تحدد القطاعات ذات الأولوية ،، والمشروعات القابلة للتنفيذ ،، وحجم التمويل المطلوب ،، ودور المصارف ،، وما تحتاجه الدولة من تشريعات وإجراءات لتسهيل الاستثمار ..
ونحتاج إلى برنامج عملي لإعادة تشغيل المصانع المتوقفه ،، وتأهيل خطوط الإنتاج التي يمكن إعادتها إلى الخدمة ،، بدل أن تظل أصولًا معطلة بينما يستورد السودان السلع التي كان يستطيع إنتاجها ..
ونحتاج إلى منصة تجمع المستثمرين بالمصارف والجهات الحكومية ،، بحيث لا تبقى الفكرة الاستثمارية مجرد فكرة ،، وإنما تجد طريقها إلى التمويل والتنفيذ ..
ويمكن أن يكون المؤتمر بداية لشراكة اقتصادية وطنية مستدامة ،، تظل قائمة بعد انتهائه ،، تتابع تنفيذ ما تم الاتفاق عليه ،، وترفع العقبات أمام المشروعات ،، وتقيس النتائج ،، حتى لا تتحول التوصيات مرة أخرى إلى أوراق محفوظة في الأدراج ..
وهنا يأتي دور الدولة بصورة حاسمة ،، فرجال الأعمال لا يستطيعون وحدهم صناعة بيئة استثمارية مستقرة ،، كما أن الدولة لا تستطيع وحدها إعادة تشغيل الاقتصاد ..
*المطلوب* أن يلتقي الطرفان في منتصف الطريق :
الدولة تفتح الطريق بالتشريعات المستقرة ،، والإجراءات المبسطة ،، والبنية التحتية ،، والطاقة ،، والتمويل،، والضمانات ،، ورأس المال الوطني يدخل الطريق بالاستثمار ،، والإنتاج ،، والمخاطرة المحسوبة ،، وخلق فرص العمل ..
*فالدولة تهيئ البيئة ،، ورأس المال يحرك عجلة الإنتاج ..*
وعندما يحدث ذلك ،، فإننا لا نتحدث فقط عن انتعاش اقتصادي ،، بل عن معالجة جذور كثير من الاختلالات التي أثقلت حياة المواطن ..
فزيادة الإنتاج المحلي تقلل الاعتماد على الخارج ،، وتقليل الواردات يخفف الضغط على النقد الأجنبي ،، وزيادة الإنتاج والتصدير توفر موارد أكبر للاقتصاد ،، وقيام المشروعات يعني وظائف ودخولًا جديدة ..
ولهذا فإن الحديث عن استقرار العملة والأسعار لا ينبغي أن يبقى منفصلًا عن الحديث عن المصنع والمزرعة والمشروع المنتج ..
قد نلاحق سعر الصرف في السوق كل يوم ،، لكن المعالجة المستدامة تبدأ من مكان آخر:
من المصنع الذي ينتج ،، والمزرعة التي تزرع ،، والمشروع الذي يصدر ..
ومن هنا نوجه رسالة صادقة إلى المسؤولين والقائمين على أمر الدولة :
*التقطوا هذه الفكرة ..*
فالفرص لا تنتظر طويلاً ،، والمبادرات الوطنية الصادقة تحتاج إلى قرار يحولها إلى واقع ..
وقيام مؤتمر رجال المال والأعمال لدعم الاقتصاد اليوم قد يكون أكثر من استجابة لدعوة صحفية ،، فقد يكون خطوة عملية نحو بناء شراكة اقتصادية يحتاجها السودان في هذه المرحلة ..
نريد مؤتمرًا يسمع فيه رجل الأعمال ما تريده الدولة ،، وتسمع فيه الدولة ما يحتاجه المستثمر ،، وتتعرف فيه المصارف على المشروعات القابلة للتمويل ،، ويعرض فيه المنتجون مشكلتهم ،، وتُطرح فيه الفرص الاستثمارية بوضوح ،، وتتحول فيه الأفكار إلى التزامات ومشروعات وجداول تنفيذ ..
ونريد أن نخرج منه لا بعدد التوصيات ،، بل بعدد المصانع التي ستعود إلى العمل ،، والمشروعات التي ستبدأ ،، والأراضي التي ستدخل دورة الإنتاج ،، والوظائف التي ستُخلق ..
عندها فقط يمكن أن نقول إن المؤتمر أدى رسالته ..
فإعادة إعمار السودان ليست مبانٍ فقط ،، بل معانٍ ،، فالمباني يمكن أن تُشيَّد من جديد ،، لكن المعنى الحقيقي للإعمار يبدأ حين تعود الحياة الاقتصادية إلى دورتها الطبيعية :
أن يعود المصنع إلى الدوران ،، والمزارع إلى أرضه ،، والتاجر إلى نشاطه ،، والمصرف إلى تمويل الاقتصاد الحقيقي،، والمستثمر إلى بلده ،، والشاب إلى سوق العمل ..
فالإعمار ،، في جوهره ،، ليس إعادة بناء ما تهدّم من حجرٍ وبنيان فحسب ،، وإنما إعادة بناء القدرة على الإنتاج ،، واستعادة الثقة ،، وفتح أبواب العمل ،، وإعادة الحركة إلى الاقتصاد ..
إنها في النهاية معركة واحدة :
معركة استعادة كرامة الإنتاج ،، وإعادة الحياة إلى وطنٍ يستحق أن ينهض ..
وكرامة الإنتاج ليست شعارًا اقتصاديًا جميلاً ،، وإنما حق للوطن ووسيلة لبناء المستقبل ..
فالدولة التي تنتج غذاءها ،، وتصنع احتياجاتها ،، وتستثمر مواردها ،، وتخلق فرص العمل لشبابها ،، وتفتح أسواقًا لمنتجاتها ،، تكون أكثر قدرة على حماية قرارها الاقتصادي ،، وأكثر قدرة على منح مواطنيها حياة أفضل ..
لذلك لا نريد أن يكون مؤتمر رجال المال والأعمال لدعم الاقتصاد مجرد حدث اقتصادي عابر ،، بل نريده بداية لمسار وطني جديد ،، تتكامل فيه الدولة مع القطاع الخاص ،، وتلتقي فيه رؤوس الأموال مع الفرص ،، وتتحول فيه الخبرات السودانية في الداخل والخارج إلى قوة بناء حقيقية ..
وتجدر الإشارة هنا إلى أن دعوة منصة (حواس) ورئيس تحريرها الأستاذ طارق شريف ساتي تستحق الالتقاط ،، وأن تجد من المسؤولين الاستجابة التي تليق بها ،، وأن تتحول من فكرة طرحتها (حواس) إلى منصة وطنية تجمع أصحاب القرار وأصحاب المال وأصحاب الخبرة حول مشروع واحد : *إعادة بناء اقتصاد السودان.*
ولعل أجمل ما يمكن أن تقدمه (حواس) للوطن أن ترعى هذه الفكرة حتى ترى النور ،، وأن تكون شاهدة على انتقالها من صفحات المجلة إلى قاعات القرار ،، ومن قاعات القرار إلى مواقع الإنتاج ..
فإذا عاد المصنع إلى العمل ،، والمزرعة إلى الإنتاج ،، ورأس المال إلى الاستثمار ،، والشاب إلى الوظيفة ،، والمنتج السوداني إلى الأسواق ،، فإن *ثمار* هذا المؤتمر لن تكون للمستثمر وحده ،، ولا للدولة وحدها ،، بل سيجنيها *الإنسان السوداني* قبل الجميع ..
ربما تبدأ النهضة من فكرة ،، وتكبر بشراكة ،، وتحتاج إلى قرار ..
لكنها لا تكتمل إلا عندما يتحول الإنتاج من شعار إلى واقع ..
*فلتقم المبادرة* ،، وليرَ المؤتمر النور ،، ولنجعل من كرامة الإنتاج بداية لوطن يستعيد عافيته، وثقته ،، ومكانته .

