الخرطوم شوف عين (3)
محمد يوسف العركي
بعد يومين قضيتهما بين الزيارات وأداء الواجبات الاجتماعية، وهي واجبات لم تنقضِ حتى آخر يوم من رحلتي، عزمت على أن أذهب إلى الخرطوم.
وكنت قد عقدت النية أن تكون البداية من العمارات، حيث يقع المقر الحالي للشركة التي كنت أعمل بها، بعد أن كان مقرها قبل الحرب ببرج الساحل والصحراء، ذلك المبنى الذي ظل لسنوات يشرف على ملتقى النيلين في واحدة من أجمل إطلالات الخرطوم.
خرجت إلى الشارع صباح ذلك اليوم وأنا أظن أن الأمور ما زالت كما عرفتها من قبل، أذهب إلى “اللفة” وأستقل حافلات الصحافة شرق، ثم أمضي في طريقي إلى العمارات.
ففي الطريق التقيت بالجار والأخ الفنان عبد الخالق محمد عمر، وكان قد سبقني إلى البلاد بأيام قليلة.
وما إن تبادلنا السلام حتى بادرني مبتسماً:
“يا زول الركشة أسرع.”
تعجبت من الأمر وقلت في نفسي:
ركشة إلى الصحافة شرق؟!
وقبل أن أكمل دهشتي كان سائق الركشة يهتف:
“شرق نفرين… شرق نفرين.”
فضحكت، وركبنا.
تحركت الركشة ببطء وسط الشارع، بينما كانت عيناي تلاحقان تفاصيل المكان. وصرت استعيد بعض المشاهد:
لتعود بي الذاكرة فحضر الراحل عثمان الشفيع، فسمعته في داخلي يردد:
الذكرى للحبان أجمل إشارة
هي للقلوب مرآة وللحب منارة
…وما أصدق الذكرى حين تعود إلى الأماكن التي أحبتها الروح….
كانت الحركة قد عادت إلى واجهة شارع جبرة الرئيسية من الجانبين.
متاجر تُفتح أبوابها.
وأصحاب أعمال يزيلون آثار الغبار.
وعمال يحملون أدوات الصيانة.
وكان المشهد كله أشبه بمدينة تستيقظ بعد نوم طويل.
دار بيني وبين عبد الخالق حديث طويل ولطيف، كان بطله هذه المرة الفنان المصري الكبير يحيى الفخراني، وتجربة عبد الخالق المميزة في مسلسل “الخواجة عبد القادر”، ذلك العمل الذي جسد جانباً من سيرة الشيخ عبد الباقي المكاشفي رحمه الله.
وكان الحديث ينتقل بنا من الفن إلى الذكريات، ومن الذكريات إلى الناس الذين فرقت بينهم الحرب ثم جمعتهم العودة.
ومن أجمل المشاهد التي لفتت انتباهي في ذلك اليوم أن “بنكك” أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للناس.
وكعادة السودانيين في التنافس الكريم، دخلت أنا وعبد الخالق في جدال لطيف حول من يدفع الأجرة.
كل منا يريد أن يتحمل الحساب.
ثم احتكمنا في النهاية إلى تطبيق بنكك:
من يفتح التطبيق أولاً هو الذي يدفع!
فكان ذلك حكماً عادلاً أنهى الخلاف.
وفي الصحافة شرق أحسست بجوع خفيف، فدخلت أحد المطاعم الشعبية وطلبت طبق فول.
دفعت عبر بنكك.
ثم استقليت حافلة “الهايس” المتجهة إلى الخرطوم.
ودفعت عبر بنكك.
وهنا استوقفتني ملاحظة مهمة.
ففي كل مرة كنت أشاهد الركاب يسددون قيمة الترحيل قبل تحرك المركبة، وهي عادة لم أكن أعرفها بهذه الصورة من قبل، لكنها بدت لي انعكاساً لحالة جديدة فرضتها ظروف الناس وأسلوب حياتهم.
وفي ذلك الوقت لم تكن أزمة بنكك الحالية قد ظهرت بعد.
كان التطبيق يعمل بصورة طبيعية.
لكن مجرد التفكير في انقطاعه أعادني مباشرة إلى بعض أيام الحرب.
حين كانت الشبكة تغيب لأيام متواصلة في كرري، فنضطر إلى السفر نحو شندي لإنجاز أبسط المعاملات المالية، وشراء الكهرباء وبعض الاحتياجات الضرورية.
وهنا لا بد أن أتوقف لأحيي أخي وزميل الدراسة معاذ عوض محمد خلف الله وأسرته الكريمة بقرية مويس.
فقد ظل منزلهم مفتوحاً لنا ولغيرنا من العابرين والزوار، نستظل بكرم أهله كلما قدمنا إلى شندي.
وما أكثر ما كشفت هذه الحرب عن المعادن الأصيلة في الناس.
وصلت إلى العمارات، ونزلت بالقرب من قسم الشرطة بشارع (1)، بينما كانت وجهتي في شارع (7).
واخترت أن أمشي على قدمي.
فبعض المدن لا تُعرف من نوافذ المركبات
بل تُقرأ شارعاً شارعاً.
وخطوة خطوة.
وكلما عبرت شارعاً لفت نظري مشهد متكرر.
أعمال صيانة.
عمال بناء.
أصباغ جديدة على واجهات قديمة.
وشركات عادت إلى العمل جزئياً.
كانت الحياة تعود، ولكن بهدوء.
عودتها ليست كاملة بعد.
غير أنها كانت عودة تبعث على التفاؤل.
وفي طريق العودة أصر الزملاء على أن أوصل بسيارة الشركة.
وأثناء مرورنا بمنطقة جبرة طلبت من زميلي أن يمر بالقرب من المنطقة المجاورة للمدرعات.
هناك رأيت وجهاً آخر للخرطوم.
وجهاً موجعاً.
مبانٍ أصابها الدمار.
ومعالم فقدت كثيراً من ملامحها.
وآثار حرب ما زالت حاضرة رغم جهود النظافة وإزالة الأنقاض.
وقفت أتأمل المشهد بصمت.
وأدركت أن ما يُروى عن حجم التخريب لا يمكن أن تنقله الصور كاملة.
فبعض الأشياء لا تُفهم إلا حين تراها بعينك.
لكن الذي بعث الطمأنينة في النفس أن الناس بدأوا بالفعل أعمال الصيانة والترميم، وإن كانت متواضعة قياساً بحجم الأضرار.
فالخراب مهما كبر لا يستطيع أن يهزم إرادة أصحاب الأرض.
عدت إلى المنزل مساءً متعب الجسد، ممتلئ الخاطر بالصور والمشاهد.
وكان الشفيع ما يزال يرافقني في الطريق وفي الذاكرة، يردد بصوته هذه المرة:
عدت يا عيدي بدون زهور
وين قمرنا ووين البدور
فشعرت أن الخرطوم نفسها تشبه هذه الأغنية.
مدينة غاب عنها كثير من أحبابها.
لكنها ما زالت تنتظرهم.
وما زالت تفتح ذراعيها للعودة.
وفي المقال القادم إن شاء الله أكتب عن أم درمان، واستاد الهلال، وبيت الخليفة، والشهداء… مشاهدات ومواقف.
ونواصل إن شاء الله…
E-mail: arakidoha@yahoo.com


