]رؤيتي]
الدرس الأهم!!
التاج بشير الجعفري
إن كان هنالك من درس يجب تعلمه من الحرب القاسية والظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد خلال الثلاث سنوات الماضية، فهو بلا شك العمل بكل السبل على عدم تكرار تجربة مليشيا الدعم السريع التي كما قال المسؤولين عن إنشائها أنها كانت ضرورة ملحة لدحر التمرد وحفظ الأمن والاستقرار في دارفور وكان ذلك في منتصف العام 2013م.
فتجربة مليشيا الدعم السريع كانت كابوسا لم يتوقعه أحد رغم أن البعض قد حذر من تناميه وتزايد قوته وسطوته إلا أن سلطة الإنقاد لم تكن تود أن تسمع أي إنتقاد للتجربة الكارثية التي استلهم الجميع (في حينها) عظم خطرها على استقرار البلاد.
كنا نسمع كثيرا أن قادة القوات المسلحة أبدوا معارضتهم الشديدة لفكرة أن تظل مليشيا الدعم السريع مستقلة عن المؤسسة العسكرية ولكن لم يستجب المسؤولين لمخاوف قادة القوات المسلحة وهم الأدرى بشعاب العسكرية وتعقيداتها ودروبها، حيث كان تركيزهم (بحكم خلفياتهم العسكرية) على أهمية وحدة كافة القوات العسكرية وانتظامها تحت راية المؤسسة العسكرية الرسمية وهو التفكير الاستراتيجي السليم الذي كان سيجنب البلاد الكثير من المهالك.
إن الخسائر الإقتصادية والمادية والمعنوية وكذلك الفظائع والإنتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع تحتاج لوقت طويل وجهد كبير من الجهات الرسمية والمجتمعية لتجاوزها وعلاج تداعياتها.
لذلك ينبغي أن يكون الشغل الشاغل للمتخصصين والأكاديميين ومراكز الدراسات والبحوث وكافة الأجهزة الإعلامية المرئية والمقروءة، العمل على تفنيد وتحليل هذه التجربة الكارثية المريرة وبيان سوء التقديرات التي صاحبت نشأتها وتطور مقدرات التنظيمية والقتالية.
لابد من الإستفادة من هذه التجربة القاسية وأخذ الدروس والعبر من أجل عدم تكرارها مستقبلا.
إن إتخاذ القرار بشأن إنشاء وتسليح وتجهيز مليشيا الدعم السريع كان قرار تكتيكيا ومرحليا استمد مبرراته من الظروف السائدة حينها والحوجة الماسة لإخماد جذوة التمرد في دارفور ولكنه لم يأخذ بالإعتبار الآثار المستقبلية لتكوين المليشيا .. حيث أهمل القرار (الكبير) الجانب الإستراتيجي الهام المتعلق بما يمكن أن تصبح عليه تلك المليشيا في المستقبل، آخذين في الإعتبار تكوينها القبلي وعدم توفر أي كفاءة عسكرية أو تعليمية لقادتها والقائمين عليها، وأعتقد أنها تلك هي النقطة التي (أغرت) أولئك القادة المغرورين وجعلت أنفسهم تسول لهم أن بإمكانهم إبتلاع المؤسسة العسكرية والهيمنة عليها متناسين وغافلين بجهل مركب أن المؤسسة العسكرية راسخة رسوخ الجبال ولا يمكن لمليشيا متمردة مهما بلغت قوتها أن تنال منها أو تصبح بديلا عنها.
حقيقة تعجز الكلمات عن وصف المعاناة واالانتهاكات والفظائع والجرائم التي أرتكبتها هذه المليشيا الباغية المتمردة .. فقد شردت المواطنين الأبرياء الآمنين وانتهكت عروضهم ونهبت ممتلكاتهم في سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ البلاد.
إن المليشيا لا محالة إلى زوال بإذن الله تعالى, رغم الدعم الخارجي الذي يسعى بكل ما يملك لابقائها على قيد الحياة .. ولكن هيهات .. هيهات!!
نأمل من مراكز الدراسات والمتخصصين خاصة العسكرين والمفكرين الإستراتيجيين أن ينبروا للكتابة والتحليل بصدق وإخلاص وضرورة كشف الأخطاء الجسيمة التي صاحبت تكوين مليشيا الدعم السريع المتمردة، على أن يكون دافعهم في ذلك هو كشف الأخطاء الكارثية والقصور في التفكير الاستراتيجي الذي أدى لكل هذه الخسائر في الأرواح والمقدرات الوطنية وتدمير المؤسسات وحالة عدم الإستقرار التي سادت البلاد بسبب الحرب التي شنتها المليشيا المتمردة على الشعب.
ختاماً كل التجارب لمثل هذه المليشيا في الدول الأخرى (وإن اختلفت التجربة ودرجة الاعتداءات على الشعب) أثبتت بوضوح أن لا بديل للمؤسسة العسكرية الموحدة في أي دولة وأن أي تشكيلات عسكرية تقتضيها ضرورات محددة يجب أن تكون “مؤقتة” وتحت الإشراف التام والكامل (في كافة الأمور المتعلقة بها) للمؤسسة العسكرية الرسمية التي هي الضامن الوحيد لوحدة البلاد وسلامة أراضيها, ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.
نسأل الله تعالى أن يحفظ بلادنا من شرور ومكائد الأعداء وأن يجعل تدبيرهم تدميرا عليهم.🔹
eltag.elgafari@gmail.com

