الجنيه السوداني في غرفة الطوارئ.. معركة تبدأ بالسيولة ولا تنتهي عند الدولار
– ضخ الدولار في السوق،، لا يمكن أن يكون علاجاً دائماً إذا لم ترتفع قدرة الاقتصاد على توليد الدولار من الإنتاج والتصدير والاستثمار والتحويلات.
-المطلوب بناء منظومة دفع تعمل حتى في الظروف الصعبة، تتميز بالاستمرارية والأمان والربط بين المصارف ومقدمي الخدمات.
الدوحة حسن ابوعرفات
شح النقد الأجنبي، أزمة السيولة، تراجع الثقة، اختلال الميزان التجاري وتوقف الإنتاج.. لماذا أصبح إنقاذ الجنيه مشروعاً اقتصادياً متكاملاً؟
لم تعد أزمة الجنيه السوداني مجرد ارتفاع في سعر الدولار أو تراجع في القوة الشرائية للمواطن. الأزمة أصبحت أعمق من ذلك بكثير، لأنها تضرب عدة حلقات في الدورة الاقتصادية في الوقت نفسه: النقد الأجنبي، والسيولة المحلية، والجهاز المصرفي، والإنتاج، والتجارة الخارجية، والمالية العامة، والثقة في العملة الوطنية.
وهنا يجب أن يتغير السؤال.
بدلاً من أن نسأل كل صباح: كم بلغ سعر الدولار؟
يجب أن نسأل:
لماذا يحتاج الاقتصاد السوداني إلى هذا الحجم من الدولار أصلاً؟ ولماذا لا تعود أموال المواطنين إلى الدورة المصرفية بصورة طبيعية؟ ولماذا أصبح الحصول على السيولة أو تحويل الأموال مشكلة اقتصادية في حد ذاتها؟
هذه هي نقطة البداية الحقيقية لأي خطة لإنقاذ الجنيه.
أولاً: المشكلة ليست الدولار وحده
سعر الصرف هو في كثير من الأحيان مرآة للاختلالات الأخرى وليس المشكلة الوحيدة.
عندما تكون الدولة بحاجة إلى استيراد الغذاء والوقود والدواء ومدخلات الإنتاج، بينما الصادرات محدودة، فإن الطلب على العملات الأجنبية يظل مرتفعاً.
والأرقام الرسمية المنشورة من بنك السودان تعطي مؤشراً واضحاً على حجم الاختلال: صادرات السودان في 2025 بلغت نحو 4.36 مليار دولار، مقابل واردات بلغت نحو 9.99 مليار دولار. أي أن فجوة التجارة السلعية كبيرة وتحتاج إلى تمويل مستمر.
وبالتالي فإن ضخ الدولار في السوق، مهما كان مهماً في الأجل القصير، لا يمكن أن يكون علاجاً دائماً إذا لم ترتفع قدرة الاقتصاد على توليد الدولار من الإنتاج والتصدير والاستثمار والتحويلات.
ثانياً: السيولة مشكلة مختلفة عن سعر الصرف
من أخطر مظاهر الأزمة أن المواطن قد يمتلك رصيداً مصرفياً، ولكنه لا يستطيع الوصول إليه بسهولة نقداً أو إلكترونياً.
وهنا يجب التفريق بين مفهومين:
السيولة النقدية والملاءة المصرفية.
قد يكون لدى النظام المصرفي أرصدة وودائع، ولكن هناك اختناقات في النقد المتداول أو في التحويلات أو في البنية التكنولوجية وشبكات الدفع.
وهذا يخلق مفارقة خطيرة:
أموال موجودة على الورق، لكنها لا تتحول بسهولة إلى قوة شرائية في السوق.
والنتيجة أن المواطن والتاجر يبحثان عن بدائل خارج الجهاز المصرفي، فتتسع السوق النقدية غير الرسمية، وتتراجع الثقة في المصارف، وتزداد سرعة دوران النقد خارج القنوات الرسمية.
وهكذا تتحول أزمة السيولة إلى أزمة ثقة.
ثالثاً: «بنكك» والمدفوعات الإلكترونية جزء من الحل وليس المشكلة
التحول إلى الدفع الإلكتروني ضرورة، ولكن لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح البنية المصرفية نفسها.
المطلوب هو بناء منظومة دفع تعمل حتى في الظروف الصعبة، وتتميز بالاستمرارية والأمان والربط بين المصارف ومقدمي الخدمات.
ويجب أن يصبح المواطن قادراً على:
* تحويل أمواله بين المصارف.
* سحب مبالغ مناسبة دون عناء.
* دفع ثمن السلع إلكترونياً.
* استقبال التحويلات من الخارج.
* استخدام التطبيقات المصرفية بصورة مستقرة.
* الحصول على كشف واضح وفوري لحسابه.
كل جنيه يعود إلى النظام المصرفي بدلاً من بقائه خارج القنوات الرسمية يساعد على توسيع قاعدة الاقتصاد المنظم.
رابعاً: لماذا يفقد المواطن الثقة في الجنيه؟
الثقة في العملة لا تُبنى بقرار إداري.
إنها نتيجة ثلاثة أشياء رئيسية:
استقرار الأسعار + استقرار سعر الصرف + قدرة الدولة على حماية القوة الشرائية.
عندما يشتري المواطن سلعة اليوم بسعر، ثم يجدها غداً بسعر مختلف بصورة كبيرة، يبدأ في التخلص من الجنيه بمجرد حصوله عليه.
وهنا تحدث ظاهرة اقتصادية خطيرة:
الجنيه يتحول من مخزن للقيمة إلى مجرد وسيلة مؤقتة للمرور إلى سلعة أو دولار أو ذهب.
وهذا يزيد سرعة تداول العملة، ويزيد الضغوط التضخمية، ويخلق حلقة مفرغة:
تراجع الثقة → زيادة الطلب على الدولار والذهب والسلع → ارتفاع الأسعار → مزيد من تراجع الثقة → مزيد من الطلب على العملات الأجنبية.
خامساً: السوق الموازي ليس أصل المشكلة وحده
من الخطأ التعامل مع السوق الموازي باعتباره سبب الأزمة الوحيد.
السوق الموازي ينمو عندما توجد فجوة بين السعر الرسمي والطلب الحقيقي، أو عندما يواجه المتعامل صعوبة في الحصول على العملة الأجنبية عبر القنوات الرسمية.
لذلك فإن محاربة المضارب وحدها لا تكفي.
يجب تجفيف الأسباب التي تجعل المواطن والتاجر والمستورد يلجؤون إليه.
وهذا يتطلب سوقاً مصرفية قادرة على توفير النقد الأجنبي بصورة شفافة وسريعة للمستوردين والقطاعات المنتجة.
وبالفعل أعلن بنك السودان المركزي في 2026 استمرار توفير النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي للمستوردين المستوفين للضوابط، مؤكداً أن منشوراً حديثاً لا يعني خروجه من سوق النقد الأجنبي.
سادساً: أخطر ملف هو تمويل العجز
لا يمكن تحقيق استقرار مستدام للجنيه إذا ظلت المالية العامة بحاجة إلى تمويل نقدي واسع.
تاريخياً، كان تمويل العجز عبر البنك المركزي أحد مصادر الضغوط التضخمية في السودان، وقد أشار البنك الدولي إلى أن تمويل العجز النقدي ساهم في تفاقم التضخم قبل الحرب، ثم جاءت الحرب واضطرابات الإنتاج والتجارة لتضيف ضغوطاً جديدة.
لذلك فإن أي برنامج لإنقاذ الجنيه يجب أن يبدأ بالتنسيق الكامل بين:
وزارة المالية + بنك السودان المركزي + الجهاز المصرفي + الأجهزة المعنية بالتجارة والصادرات.
لا يمكن للسياسة النقدية أن تعالج وحدها مشكلة أساسها مالي وإنتاجي.
ماذا نفعل الآن؟ خطة إنقاذ على مرحلتين
أولاً: إجراءات عاجلة خلال 90 يوماً
1. غرفة عمليات اقتصادية موحدة
إنشاء غرفة طوارئ اقتصادية تعمل يومياً، وتضم وزارة المالية، بنك السودان، التجارة، الجمارك، الزراعة، الثروة الحيوانية، الطاقة والجهاز المصرفي.
مهمتها ليست عقد الاجتماعات، وإنما متابعة خمسة مؤشرات يومياً:
سعر الصرف – السيولة – التضخم – احتياطيات النقد الأجنبي – أسعار السلع الأساسية.
2. علاج أزمة السيولة فوراً
يجب تحديد حجم السيولة المطلوبة فعلياً لكل ولاية ومدينة ومصرف، ثم إعادة توزيعها وفق بيانات حقيقية.
مع نشر جدول واضح للمواطنين حول توفر السيولة والخدمات المصرفية.
3. ضمان استمرار المدفوعات الإلكترونية
يجب التعامل مع أنظمة الدفع باعتبارها بنية تحتية وطنية، وليس مجرد تطبيقات تجارية.
وتوفير أنظمة بديلة عند تعطل الشبكات، مع ربط المصارف وشركات الاتصالات ومقدمي خدمات الدفع.
4. إعطاء الأولوية للدولار
لا ينبغي توزيع النقد الأجنبي بصورة عشوائية.
الأولوية يجب أن تكون للقطاعات التي تؤثر مباشرة في حياة الناس والإنتاج:
الدواء – الغذاء – الوقود – مدخلات الزراعة – مدخلات الصناعة – النقل – الصادرات.
5. وقف المضاربة على أموال الدولة
أي موارد بالنقد الأجنبي تخص الدولة أو المؤسسات العامة يجب أن تمر عبر قنوات مصرفية واضحة وقابلة للتدقيق.
6. جذب تحويلات السودانيين بالخارج
هذه ربما واحدة من أسرع الأدوات المتاحة.
لكن السوداني في الخارج لن يرسل أمواله إلى قناة رسمية إذا كان السعر غير جاذب أو الإجراءات معقدة.
لذلك يجب إنشاء سعر تحويل تنافسي وشفاف مع إجراءات مبسطة ورسوم منخفضة.
7. نشر البيانات
استعادة الثقة تبدأ بالمعلومة.
ينبغي أن يعرف المواطن بصورة منتظمة:
* حجم الاحتياطي.
* الصادرات.
* الواردات.
* حجم السيولة.
* التضخم.
* التمويل الحكومي.
* سعر الصرف الرسمي.
* متوسط أسعار السوق.
بنك السودان ينشر بالفعل بيانات ونشرات اقتصادية، وينبغي توسيع نطاقها وسرعة تحديثها وإتاحتها بصورة أكثر وضوحاً للجمهور.
ثانياً: الإصلاح من سنة إلى خمس سنوات
1. الانتقال من اقتصاد الاستيراد إلى اقتصاد الإنتاج
هذه هي المعركة الحقيقية.
السودان لا يستطيع الدفاع عن الجنيه إلى ما لا نهاية إذا كان يستورد أكثر مما يصدر.
الحل ليس منع الاستيراد بصورة عشوائية، وإنما إحلال الواردات بالإنتاج المحلي حيث يكون ذلك اقتصادياً، وزيادة الصادرات حيث يمتلك السودان ميزة تنافسية.
2. الزراعة هي خط الدفاع الأول عن الجنيه
السودان يمتلك إمكانات هائلة في:
الحبوب – السمسم – الصمغ العربي – القطن – الفول السوداني – اللحوم – الثروة الحيوانية – الزيوت – المنتجات الزراعية المصنعة.
لكن المطلوب ليس مجرد تصدير المواد الخام.
المطلوب بناء سلاسل قيمة:
منتج → تصنيع → تعبئة → نقل → تمويل → تأمين → تصدير.
كل مرحلة تضيف قيمة وتخلق عملة أجنبية.
3. الذهب يحتاج إلى منظومة رسمية متكاملة
بدلاً من التعامل مع الذهب باعتباره مورداً سريعاً للنقد الأجنبي فقط، يجب بناء صناعة ذهب متكاملة:
إنتاج منظم → شراء رسمي → تصفية وتكرير → رقابة → تصدير رسمي → إيرادات للخزانة.
كل دولار يخرج من الذهب خارج القنوات الرسمية هو خسارة مزدوجة: خسارة في النقد الأجنبي وخسارة في الإيرادات العامة.
4. إصلاح المالية العامة
لا يمكن إنقاذ الجنيه دون إصلاح الموازنة.
الأولوية يجب أن تكون:
* توسيع الإيرادات غير النفطية.
* مكافحة التهرب الجمركي والضريبي.
* تقليل الإنفاق غير الضروري.
* توجيه الدعم إلى الفئات الأكثر احتياجاً بدلاً من الدعم الشامل المكلف.
* وقف التمويل النقدي غير المنضبط للعجز.
* ضبط الشركات الحكومية والحسابات خارج الموازنة.
5. إصلاح الجهاز المصرفي
الإصلاح لا يعني فقط إعادة فتح الفروع.
المطلوب:
رسملة المصارف – مراجعة جودة الأصول – تحسين الحوكمة – تحديث أنظمة الدفع – مكافحة غسل الأموال – ربط المصارف إلكترونياً – تعزيز الرقابة المصرفية.
كما ينبغي إعادة بناء علاقة المصارف السودانية بالمؤسسات المالية الإقليمية والدولية بصورة تدريجية.
6. سعر صرف أكثر شفافية
السوق يحتاج إلى سعر يعكس الظروف الحقيقية للاقتصاد، وليس أسعاراً متعددة تخلق فرصاً للمضاربة والتحايل.
لكن توحيد سعر الصرف لا ينبغي أن يكون مجرد قرار إداري.
يجب أن يسبقه:
زيادة تدفقات النقد الأجنبي + إصلاح المالية العامة + دعم الصادرات + تحسين عمل المصارف.
وقد أشار البنك الدولي إلى أهمية الحفاظ على نظام سعر صرف موحد ضمن مسار التعافي الاقتصادي للسودان.
المعادلة التي يجب أن تحكم المرحلة القادمة
يمكن اختصار مشروع إنقاذ الجنيه في خمس معادلات:
زيادة الإنتاج = زيادة الصادرات
زياد الصادرات + التحويلات = زيادة النقد الأجنبي
زيادة النقد الأجنبي = تخفيف الضغط على سعر الصرف
استقرار سعر الصرف + ضبط التمويل النقدي = خفض التضخم
استقرار الأسعار + استقرار المصارف = استعادة الثقة في الجنيه
لكن هناك شرطاً أساسياً فوق كل ذلك:
السلام والاستقرار
فالاقتصاد لا يستطيع العمل بكفاءة في بيئة تتعرض فيها طرق التجارة والإنتاج والبنية التحتية والمصارف لمخاطر مستمرة.
ويؤكد البنك الدولي أن مسار التعافي الاقتصادي في السودان يرتبط باستعادة السلام والاستقرار، إلى جانب الإصلاح الاقتصادي والاستثمار في القطاعات المنتجة، خصوصاً الزراعة.واخبرا اقول :
إنقاذ الجنيه السوداني ليس مهمة بنك السودان وحده.
والمشكلة ليست في الدولار وحده.
إنها مشكلة اقتصاد فقد جزءاً كبيراً من قدرته على الإنتاج والتصدير، ودولة تراجعت إيراداتها، ونظام مصرفي يعمل في ظروف استثنائية، ومواطن فقد جزءاً من ثقته في العملة الوطنية.
لذلك فإن ضخ السيولة وحده لن يكون كافياً، وضخ الدولار وحده لن يكون كافياً، وملاحقة تجار العملة وحدها لن تكون كافية.
المطلوب هو إعادة بناء الدورة الاقتصادية نفسها.
الجنيه لا يستعيد قوته بالقرارات وحدها، وإنما عندما يصبح وراءه إنتاج حقيقي، وصادرات حقيقية، واحتياطي نقد أجنبي، وموازنة منضبطة، ومصارف موثوقة، ونظام دفع مستقر، وثقة حقيقية من المواطن.
وهنا يجب أن يكون الهدف الأول للحكومة والبنك المركزي:
ليس فقط الدفاع عن سعر الجنيه، وإنما إعادة بناء الاقتصاد الذي يستطيع أن يدافع عن الجنيه

