استبدال العملة في السودان.. من تغيير الاوراق الي إصلاح النقدي (٣-٣)
د. مروة فؤاد قباني
خبير تخطيط استراتيجي وتحول رقمي
ويبقى السؤال الأكثر جدلاً: هل يحتاج السودان إلى حذف أصفار من العملة؟
من الناحية الفنية، يمكن أن يساعد حذف الأصفار في تبسيط الأسعار والحسابات والمعاملات، خصوصاً عندما تصبح الأرقام الاسمية كبيرة جداً. لكن حذف الأصفار لا يعني ارتفاع قيمة الجنيه، ولا يمثل علاجاً للتضخم.
فإذا كانت السياسة الاقتصادية غير قادرة على تحقيق الاستقرار، فإن الأصفار التي حُذفت يمكن أن تعود من جديد.
لذلك يمكن دراسة حذف الأصفار كمرحلة لاحقة ضمن برنامج شامل لإصلاح العملة، وليس كإجراء منفرد. فإذا تقرر مثلاً حذف ثلاثة أصفار، فيمكن أن يصبح ألف جنيه قديم مساوياً لجنيه جديد، مع فترة انتقالية تظهر خلالها الأسعار والحسابات والعقود بالوحدتين، وتتم تهيئة الأنظمة المصرفية والمحاسبية والإلكترونية قبل التنفيذ.
لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب أولاً معالجة الأسباب التي أدت إلى تآكل قيمة العملة، وعلى رأسها التضخم، واختلال المالية العامة، وضعف الإنتاج، وتراجع الصادرات، واختلال سوق النقد الأجنبي.
ومن هنا فإن استبدال العملة يجب أن يكون بداية لا نهاية.
البداية الحقيقية تكون بوضع خارطة طريق تربط بين العملة الجديدة والإصلاح المصرفي والتحول الرقمي. تبدأ باستكمال عملية الاستبدال، ثم توسيع فتح الحسابات المصرفية عن بُعد، وربط المصارف إلكترونياً، وتطوير التحويلات الفورية، ونشر نقاط البيع، وتفعيل QR وUSSD، وتوسيع المحافظ الإلكترونية، ثم الانتقال إلى التحصيل الإلكتروني الكامل للضرائب والرسوم والخدمات الحكومية.
وبالتوازي مع ذلك يجب بناء مراكز بيانات بديلة، وتعزيز الأمن السيبراني، وتطوير الهوية المالية الرقمية، ووضع إطار واضح لحماية أموال العملاء وضمان استمرارية الخدمات في حالات الطوارئ.
أما حذف الأصفار، فيمكن أن يكون مرحلة لاحقة عندما تتوافر شروط الاستقرار النقدي والاقتصادي، بحيث يأتي كجزء من إصلاح نقدي شامل وليس مجرد إعادة ترقيم للعملة.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى عملة جديدة، وإنما يحتاج إلى نظام نقدي جديد.
والفرق كبير بين الاثنين.
فالعملة الجديدة تعني أوراقاً جديدة، بينما النظام النقدي الجديد يعني أن المواطن يستطيع أن يحتفظ بأمواله بأمان، ويفتح حسابه من هاتفه، ويحصل على راتبه إلكترونياً، وينقل أمواله من مصرف إلى آخر، ويسدد التزاماته، ويدفع مشترياته، وتستطيع الدولة تحصيل إيراداتها إلكترونياً، وتستمر هذه الخدمات حتى في أوقات الأزمات.
وهنا يمكن أن تتحول عملية استبدال العملة من مجرد إجراء نقدي إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء الاقتصاد السوداني، والانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد على الورقة النقدية إلى اقتصاد يعتمد على الثقة في النظام المصرفي والدفع الإلكتروني والبيانات والهوية المالية الرقمية.
فالهدف النهائي ليس حذف الأصفار فقط، ولا استبدال الأوراق فقط، وإنما تقليل الحاجة إلى النقد نفسه، وبناء منظومة مالية أكثر أمناً وكفاءة وقدرة على خدمة الاقتصاد السوداني في مرحلة ما بعد الحرب.
