الإعتراف بالأزمة بداية الحل
كتبت / إيثار عبدالحميد
المواطن لا يحتاج إلى كثرة التصريحات بقدر ما يحتاج إلى حقيقة واضحة وحل يلمس أثره في حياته اليومية، وأزمة الوقود تحديداً لا تحتاج إلى كثير من الشرح، لأن المشهد موجود أمام العين صفوف طويلة من المركبات، ساعات من الانتظار، محطات تتوقف عن البيع، مواطن ينتقل من محطة إلى أخرى بحثاً عن الوقود، وأسعار تتفاوت بين المحطات والسوق الموازية وقد رُصدت بالفعل طوابير ممتدة في أم درمان، في وقت أكدت فيه الحكومة توفر المشتقات البترولية ووجهت بضخ كميات إضافية وتسريع التوزيع
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد وجود الوقود من عدمه
إذا كانت الكميات متوفرة، فأين يحدث الخلل قبل أن تصل إلى المواطن؟ هل المشكلة في الاستيراد، أم في توفير النقد الأجنبي، أم في النقل والتوزيع، أم في إدارة المحطات، أم في آليات الرقابة ؟
فالواقع أن أزمة الوقود مرتبطة بسلسلة اقتصادية وإدارية كاملة
وبعد خروج مصفاة الجيلي عن الخدمة، أصبح السودان أكثر اعتماداً على الاستيراد، وبالتالي أصبح توفير الدولار عاملاً أساسياً في استقرار سوق الوقود وفي يونيو، اتجهت الحكومة إلى استيراد المشتقات البترولية مباشرة، في خطوة قالت إنها تستهدف تنظيم السوق والحد من الضغوط على سعر الصرف، وجاء القرار في أعقاب أزمة وقود وضغوط مرتبطة بشراء النقد الأجنبي لتمويل الواردات
وهنا تظهر واحدة من أكثر حلقات الأزمة حساسية
علاقة الوقود بسوق العملات فشركات القطاع الخاص التي تعمل في الاستيراد تحتاج إلى النقد الأجنبي لتمويل الشحنات، ومع شح الدولار واتساع الفجوة في سعر الصرف تصبح تكلفة الاستيراد أكثر تعقيداً، وينعكس ذلك في النهاية على تكلفة السلعة وسعرها وتوافرها وقد أشارت تقارير إلى أن الطلب على الدولار لتمويل واردات الوقود كان أحد مصادر الضغط على سوق الصرف، وهو ما يجعل تنظيم هذه الحلقة ومراقبتها مسألة تتجاوز الشركات نفسها لتصبح جزءاً من إدارة الدولة لسلعة استراتيجية
لكن ذلك لا يعني أن كل مسؤولية الأزمة تقع على شركات الوقود أو على جهة واحدة بعينها فالسلسلة تبدأ من توفير النقد الأجنبي وتمويل الاستيراد، وتمر بالشحن والتفريغ والنقل والتخزين والتوزيع، ثم تنتهي عند المحطة التي يقف أمامها المواطن وأي خلل في واحدة من هذه الحلقات يمكن أن يحول وفرة السلعة على الورق إلى ندرة في الشارع
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس فقط هل الوقود متوفر ؟ بل هل يصل إلى المواطن في الوقت المناسب وبالسعر المعلن وبالكميات المطلوبة ؟
وهنا تظهر مسؤولية الحكومة المركزية ووزارة الطاقة والنفط والجهات المصرفية والرقابية وشركات الاستيراد والتوزيع وأصحاب المحطات، كل في نطاق اختصاصه أما ولاية الخرطوم، فتتحمل جانباً مهماً من مسؤولية متابعة المحطات وتنظيم التوزيع والرقابة على ما يحدث داخل حدودها، لكنها لا تملك وحدها مفاتيح ملف الاستيراد والنقد الأجنبي والتسعير القومي، ولذلك فإن اختزال الأزمة في الوالي وحده لا يعكس تعقيد المشهد
والزيارة الميدانية لرئيس الوزراء لمحطات الوقود خطوة مهمة من حيث رؤية الواقع على الأرض، خصوصاً أن المواطن نفسه كان حاضراً في المشهد وشاهداً على المعاناة، لكن قيمة أي زيارة ميدانية لا تقاس بالصور أو التصريحات، وإنما بما يأتي بعدها من إجراءات ونتائج فإذا كان الوقود متوفراً فعلاً، يفترض أن يظهر ذلك سريعاً في انحسار الصفوف واستقرار الإمداد وانضباط الأسعار وقبل كل ذلك الإعتراف بوجود المشكلة لتمهيد اإيجاد الحلول
أما المواطن، فلا تعنيه كثيراً تفاصيل أين تعطلت الحلقة هو يريد أن يعرف لماذا ينتظر ساعات، ولماذا يجد محطة مغلقة وأخرى مزدحمة، ولماذا تظهر سوق موازية عندما تتعطل محطات البيع، ومن المسؤول عن منع استغلال الحاجة وتحويل السلعة الأساسية إلى فرصة للمضاربة
وهنا تحديداً تبدأ أزمة الثقة فالفجوة بين ما يسمعه المواطن وما يراه أمامه أخطر من نقص الوقود نفسه عندما يرى المواطن الصفوف بعينه ثم يسمع أن الوقود متوفر، فإنه لا يحتاج إلى مزيد من الخطاب، وإنما يحتاج إلى تفسير واضح
أين الخلل، من المسؤول عنه، وما الذي تم فعله لمعالجته، ومتى تنتهي الأزمة ؟
اسئلة منطقية ومرتبة
بكل تأكيد الأزمة الاقتصادية الحالية لا يمكن فصلها عن آثار الحرب، وتدهور العملة، وتراجع القدرة على الاستيراد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة عالمياً لكن الظروف الصعبة لا تلغي الحاجة إلى الإدارة والشفافية، بل تجعلها أكثر ضرورة
إذا كان الدولار هو جزءاً من المشكلة، فالمطلوب وضوح أكبر في آلية تمويل استيراد الوقود وإذا كان الاستيراد هو المشكلة، فالمطلوب ضمان انتظام الشحنات وإذا كان الخلل في التوزيع، فيجب تحديد موضعه ومحاسبة المسؤول عنه وإذا كانت هناك تجاوزات أو استغلال للسوق، فالمطلوب رقابة حقيقية لا تكتفي برصد الأزمة بعد وقوعها
لأن المواطن السوداني لا ينتظر من الدولة أن تمنع كل أزمة، خصوصاً في ظروف الحرب، لكنه ينتظر منها أن تدير الأزمة بوضوح، وأن تقول الحقيقة كما هي، وأن يعرف من يملك القرار ومن يملك أدوات المعالجة
في النهاية، ليست القضية مجرد بنزين أو جازولين الوقود يدخل في المواصلات، والزراعة، والنقل، والأسواق، وأسعار الغذاء، وكل تفاصيل الحياة اليومية لذلك فإن أي اضطراب في إمداده ينتقل سريعاً من محطة الوقود إلى حياة المواطن كلها
ولهذا يصبح السؤال أكثر بساطة وعمقاً في الوقت نفسه
دي ما أزمة ؟ طيب الأزمة كيفنها ؟
فالمواطن لم يعد يريد أن يسمع فقط أن الأمور بخير
هو يريد أن يراها بخير
والله المستعان .
