آفاق رقمية..
ذهبية الإرادة السودانية من كوريا الجنوبية..
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
في الوقت الذي واجه فيه السودان ظروفا قاسية بسبب الحرب، قدم شبابه صورة مشرقة عن الإصرار والابتكار والقدرة على الإنجاز. فقد توج فريق السودان للروبوتات والذكاء الاصطناعي بالميدالية الذهبية لجائزة رجاء الشرقاوي المرسلي للإنجاز الشجاع، خلال بطولة العالم للروبوتات FIRST Global Challenge التي استضافتها مدينة إنشيون في كوريا الجنوبية خلال الفترة من ٦ إلى ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦م.
انطلقت البطولة عام ٢٠١٧م بهدف تشجيع الشباب على توظيف العلوم والتقنية في حل المشكلات، وتنمية مهارات الهندسة والبرمجة والعمل الجماعي. وشهدت نسخة هذا العام مشاركة ١٨٦ فريقا يمثلون ١٨٥ دولة، في منافسات تناولت الابتكار في مواجهة حرائق الغابات، وفاز فريق السودان بذهبية جائزة الإنجاز الشجاع.
وتحمل قصة الفريق السوداني تفاصيل تستحق التأمل، فقد تفرق أعضاؤه بين دول متعددة بسبب الحرب، وواجهوا انقطاعات الكهرباء والإنترنت وصعوبات الحصول على المعدات، واستعانوا بالتصميم الهندسي الافتراضي لإعداد نموذج الروبوت، ثم واجهوا تحديا مفاجئا عند وصولهم إلى كوريا الجنوبية، إذ تأخر وصول المعدات الأصلية بسبب مشكلات جمركية، وفقا لشهادة منشورة لإحدى عضوات الفريق.
وقبل بدء المنافسات بنحو ٤٨ ساعة، حصل الفريق على مجموعة بديلة، واضطر أعضاؤه إلى تجميع الروبوت واختباره ومعالجة مشكلاته الفنية في وقت محدود، وقد نجحوا في تجاوز التحدي وتحقيق الفوز، في تجربة تجسد قيمة المعرفة والمرونة والعمل الجماعي والإصرار على بلوغ الهدف.
وتعود تسمية الجائزة إلى العالمة المغربية رجاء الشرقاوي المرسلي، أستاذة الفيزياء النووية بجامعة محمد الخامس في الرباط، وإحدى العالمات البارزات في الفيزياء. شاركت في أبحاث علمية دولية ضمن تجربة أطلس في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية، وقد حملت الجائزة اسمها تقديرا للإنجاز العلمي وروح المثابرة، وتشجيعا للشباب على تجاوز الصعوبات ومواصلة الابتكار.
وكان لشركة سوداني، دور مهم في رعاية الفريق ودعم مشاركته في هذه المنافسة العالمية، وتكتسب هذه الرعاية أهمية خاصة في الظروف التي يمر بها السودان، إذ أتاحت للشباب فرصة تمثيل بلادهم، ومنحت المواهب الوطنية مساحة لإظهار قدراتها والتواصل مع التجارب الدولية، كما جسدت أستثمار الشركات الوطنية في الإنسان والمعرفة، والإسهام في إعداد جيل يمتلك أدوات المستقبل.
إن هذا الإنجاز يكشف عن قدرة الشباب السوداني على الابتكار والعمل المشترك رغم تشتتهم بسبب الحرب، ويوضح كيف تستطيع الأدوات الرقمية ربط الكفاءات داخل البلاد وخارجها.
يحتاج السودان إلى البناء على هذه التجربة عبر برامج مستدامة لرعاية المواهب في الروبوتات والذكاء الاصطناعي والبرمجة والإلكترونيات، بالشراكة بين الشركات والجامعات والمدارس والمؤسسات الحكومية، مع توفير التدريب والمعدات وتأهيل المدربين.
إن ذهبية كوريا الجنوبية رسالة أمل من شباب السودان، تؤكد أن الحرب قد تعطل مسارات الحياة، لكنها لا تطفئ روح الابتكار لدى من يمتلكون المعرفة والإرادة. وتبقى مسؤوليتنا أن نحول هذا النجاح إلى بداية لمسار وطني يستثمر في العقول، ويربط التعليم بالتطبيق، ويمنح الشباب فرصة المشاركة في بناء مستقبل البلاد.
فالميدالية ليست نهاية القصة، وإنما بداية مسؤولية مشتركة لتحويل طاقات الشباب إلى قوة تسهم في نهضة السودان وإعادة بناء مستقبله.
٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦م

