الدولار مرآة الدولة.. هل تملك آمنة مرغني مفتاح إنقاذ الجنيه السوداني؟
– حديث آمنة مرغني يستحق الاهتمام لأنه يضع الإنتاج في قلب معركة استقرار العملة
– نحتاج لدولة تنتج أكثر مما تستهلك، وتصدر أكثر مما تستورد، وتدير مواردها بكفاءة وشفافية
حسن أبو عرفات. الدوحة
لم تكن عبارة محافظ بنك السودان المركزي، آمنة مرغني، بأن «الدولار مرآة لحال الدولة» مجرد إجابة عابرة عن سؤال يؤرق السودانيين، بل كانت تشخيصاً مباشراً لجذور الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد. فحين يتراجع الإنتاج، وتتقلص الصادرات، وتتزايد الحاجة إلى الاستيراد، يصبح ارتفاع الدولار انعكاساً لاختلالات أعمق من أن تعالجها القرارات النقدية وحدها.
إن أهمية هذا التصريح لا تكمن في دقة تشخيصه فحسب، وإنما في أنه يعيد النقاش إلى السؤال الجوهري: لماذا يعاني السودان، بما يملكه من ثروات زراعية وحيوانية ومعدنية وموارد بشرية، من أزمة مزمنة في النقد الأجنبي وتدهور مستمر في قيمة عملته الوطنية؟
الدولار ليس أصل الأزمة، بل أحد أبرز مظاهرها. فاستقرار سعر الصرف لا يتحقق بمجرد ضخ العملات الأجنبية في السوق أو تشديد القيود على تداولها، وإنما يحتاج إلى اقتصاد قادر على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، وإلى سياسات مالية ونقدية منضبطة، وثقة متجددة في الجهاز المصرفي ومؤسسات الدولة.
الإنتاج أولاً.. وليس مطاردة الدولار
الحقيقة التي ينبغي أن تنطلق منها أي معالجة جادة هي أن السودان لا يعاني نقصاً في الموارد بقدر ما يعاني ضعفاً في تحويل هذه الموارد إلى إنتاج وصادرات وإيرادات حقيقية.
فالحرب ألحقت أضراراً واسعة بالمنشآت الصناعية والزراعية والبنية التحتية، وعطّلت سلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف النقل والتأمين والإنتاج، فضلاً عن اتساع حالة عدم اليقين التي تحيط بالاستثمار والتجارة.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد حاجة البلاد إلى استيراد الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج، بينما تتراجع قدرتها على توفير العملات الأجنبية من الصادرات. وعندما يختل هذا التوازن، تتسع الفجوة بين العرض والطلب على الدولار، فتتعرض العملة الوطنية لمزيد من الضغوط.
من هنا، فإن استعادة استقرار الجنيه تبدأ بإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والتعدين، مع إعطاء الأولوية للأنشطة التي يمكنها تحقيق عائد سريع ومستدام من الصادرات.
البنك المركزي.. ما المطلوب عملياً؟
إن تشخيص محافظ البنك المركزي يفتح الباب أمام سؤال أكثر أهمية: ما السياسات التي يمكن أن تحول هذا الفهم إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين؟
يقع على عاتق البنك المركزي العمل على تعزيز الثقة في النظام المصرفي، وتحسين إدارة السيولة، وتطوير أدوات السياسة النقدية، والحد من تمويل العجز الحكومي بوسائل تضخمية، إلى جانب تهيئة الظروف التي تشجع المواطنين والمصدرين والمغتربين على استخدام القنوات المصرفية الرسمية.
كما أن توحيد سوق الصرف بصورة واقعية وقابلة للاستمرار، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، يتطلبان معالجة أسباب هذه الفجوة، لا الاكتفاء بإصدار القرارات. فالتشدد الإداري وحده لا يصنع عرضاً إضافياً من الدولار، ولا يعوض غياب الصادرات أو ضعف الثقة في العملة الوطنية.
وهنا تبرز أهمية التنسيق بين البنك المركزي ووزارتي المالية والتجارة والجهات المعنية بالإنتاج والصادرات، لأن أزمة سعر الصرف تتجاوز حدود اختصاص مؤسسة واحدة، مهما بلغت أهمية دورها.
الذهب والصادرات.. موارد تحتاج إلى إدارة رشيدة
يمثل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المحتملة للسودان، لكن الاستفادة الحقيقية منه ترتبط بقدرة الدولة على تنظيم إنتاجه وتجارته، ومكافحة التهريب، وتوفير حوافز مجدية لتوريده عبر القنوات الرسمية، مع ضمان الشفافية في إدارة عائداته.
والأمر نفسه ينطبق على الصادرات الزراعية والحيوانية وغيرها من المنتجات السودانية. فزيادة الإنتاج وحدها لا تكفي إذا لم تصاحبها سياسات ترفع القيمة المضافة، وتحسن الجودة والتسويق والنقل، وتضمن عودة حصائل الصادرات إلى البلاد عبر النظام المصرفي.
كذلك، تمثل تحويلات السودانيين العاملين بالخارج مورداً مهماً يمكن أن يسهم في تخفيف الضغوط على سوق الصرف، شريطة توفير قنوات تحويل آمنة وميسرة، وأسعار صرف وحوافز تشجع على التعامل الرسمي بدلاً من السوق الموازي.
الثقة.. الحلقة المفقودة
لا يمكن فصل استقرار العملة عن استقرار الدولة نفسها. فالثقة في الجنيه ترتبط بقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق العام، وتحسين الإيرادات، والحد من الفساد والتسرب المالي، وتوفير بيئة آمنة للنشاط الاقتصادي والاستثمار.
كما أن استعادة الثقة تحتاج إلى وضوح السياسات واستمراريتها، والإفصاح عن المؤشرات الاقتصادية الأساسية، وتقديم بيانات موثوقة عن الاحتياطيات والتدفقات النقدية والصادرات والواردات، حتى يتمكن المواطن والتاجر والمستثمر من اتخاذ قراراته على أساس معلومات واضحة، لا على أساس الشائعات والتوقعات المضطربة.
من التشخيص إلى التنفيذ
إن حديث آمنة مرغني يستحق الاهتمام لأنه يضع الإنتاج في قلب معركة استقرار العملة، لكنه يفرض في الوقت نفسه مسؤولية تقديم رؤية عملية تتجاوز التفسير العام للأزمة.
فالمواطن السوداني لا ينتظر معرفة أسباب ارتفاع الدولار فحسب، بل يريد أن يعرف كيف ستتم حماية مدخراته، وكيف ستتراجع الضغوط على الأسعار، ومتى يمكن أن تستعيد العملة الوطنية قدراً من الاستقرار.
والإجابة لا تكمن في وعد بخفض سريع لسعر الدولار، ولا في إجراءات منفصلة عن واقع الاقتصاد، بل في برنامج متكامل يربط بين الانضباط المالي، والسياسة النقدية، وزيادة الصادرات، وتنظيم تجارة الذهب، واستعادة الإنتاج، وتحسين بيئة الاستثمار.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى من يطاردون أرقام الدولار، بل إلى دولة تنتج أكثر مما تستهلك، وتصدر أكثر مما تستورد، وتدير مواردها بكفاءة وشفافية


