التعليم السوداني بين تحديات الواقع وآمال التعافي
كتبت / إيثار عبدالحميد
لم تكن الحرب التي شهدها السودان منذ أبريل 2023 مجرد أزمة غيّرت ملامح الحياة اليومية، بل امتدت آثارها إلى واحدة من أهم ركائز المجتمع، وهي التعليم، الذي وجد نفسه أمام تحديات غير مسبوقة طالت المدارس والجامعات، وأربكت المسارات الدراسية، وضاعفت أعباء الأسر والمعلمين، ووضعت مستقبل أجيال كاملة أمام أسئلة صعبة
وفي ظل النزوح وعدم الاستقرار، وتداخل الدفعات الدراسية وتراكم الفاقد التعليمي، لم تعد معاناة الأسرة السودانية مقتصرة على تدبير متطلبات الحياة، بل امتدت إلى البحث عن بيئة تعليمية مستقرة تضمن لأبنائها مواصلة الدراسة وتحفظ لهم حقهم في التعلم، بينما لا تزال الجامعات السودانية تواجه تحديات تتعلق باستقرار الدراسة والبيئة الأكاديمية واستعادة دورها في التعليم والبحث العلمي
وسط هذا المشهد، تكتسب تجربة مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة أهمية خاصة، باعتبارها إحدى المؤسسات التي تسهم في استمرار المسيرة التعليمية للسودانيين في مصر، وتحمل مسؤولية تتجاوز حدود الفصول الدراسية إلى الحفاظ على الهوية التعليمية والتربوية، وتوفير مساحة من الاستقرار في واقع فرضته الحرب وتداعياتها
ومن واقع تجربتي الشخصية مع المدرسة، وما أتاحته لي المتابعة والمعايشة، أرى أن الحديث عنها ينبغي أن يتجاوز تقييم الأداء اليومي إلى قراءة أوسع لما يمكن أن تمثله من نموذج تعليمي يتطور، ويستجيب لاحتياجات المرحلة، ويستثمر في قدرات المعلمين، ويعمل على تعزيز جودة العملية التعليمية
وتبرز أهمية الجهود المبذولة في تطوير أداء المعلمين، وتنظيم اللقاءات التربوية، والعمل على إعداد استراتيجية لتطوير المدرسة والمدارس المنتسبة إليها، بوصفها خطوات نحو الانتقال من إدارة الاحتياجات اليومية إلى بناء رؤية مؤسسية أكثر شمولًا واستدامة
فالتعليم لا يقوم على المناهج وحدها، وإنما على منظومة تبدأ بمعلم مؤهل ومتطور، وإدارة تمتلك الرؤية والقدرة على التخطيط، وبيئة مدرسية تساعد على التعلم، وشراكة فاعلة مع الأسرة كما أن التربية تظل الأساس الذي يمنح التعليم معناه، فالمؤسسة الناجحة لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تسهم في بناء الشخصية وترسيخ القيم وتنمية التفكير والمسؤولية
غير أن نجاح التطوير لا يُقاس بعدد البرامج التدريبية أو الخطط المعلنة، وإنما بما تتركه من أثر ملموس في الممارسة داخل الفصول، ومستوى التحصيل، وقدرة الطلاب على التعلم، ومدى ثقة الأسر في المؤسسة التعليمية
ومن هنا تبرز أهمية الرقابة التربوية والإدارية المهنية، باعتبارها ضمانة للجودة وحماية لحقوق الطلاب، وليست مجرد إجراءات شكلية أو وسيلة للمحاسبة. فالرقابة الفاعلة تتابع انتظام الدراسة، وكفاءة التدريس، ومعالجة الفاقد التعليمي، ومدى الالتزام بالمعايير والمناهج، وتتيح قنوات واضحة للتواصل مع أولياء الأمور، بما يساعد على معالجة أوجه القصور وتعزيز نقاط القوة
وفي ظل تكدس الدفعات واختلاف مستويات التحصيل نتيجة الانقطاع، يصبح من الضروري ألا تختزل العودة إلى المدارس في استكمال المقررات أو اجتياز الامتحانات، بل أن تصاحبها خطط واقعية لمعالجة الفاقد التعليمي، ومراعاة الفروق بين الطلاب، وضمان أن تكون العودة استعادة حقيقية للتعلم، لا مجرد انتظام في الجداول الدراسية
وتمتد هذه المسؤولية إلى الجامعات السودانية، التي تحتاج إلى استعادة بيئتها الأكاديمية، وتأهيل مؤسساتها، ودعم أساتذتها، وضمان استقرار البرامج والامتحانات والتدريب العملي والبحث العلمي فالتعافي التعليمي لا يكتمل عند حدود المدرسة، بل يتواصل حتى الجامعة، حيث تتشكل الكفاءات التي يحتاج إليها السودان في مرحلة إعادة البناء
وعلى مستوى مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة، فإن الطموح إلى المستقبل يفتح الباب أمام تطلعات مشروعة، في مقدمتها مواصلة تطوير المقر ومرافقه بما يتناسب مع رسالته، ودراسة التوسع وافتتاح فروع في مناطق أخرى تضم تجمعات للسودانيين، مع الحفاظ على جودة التعليم ووحدة المعايير وكفاءة الإدارة فالتوسع الحقيقي لا يعني زيادة عدد الفروع فحسب، بل بناء تجربة مؤسسية قادرة على تقديم تعليم جيد ومستقر في كل موقع
إن استمرار وجود الأسر السودانية في مصر يجعل من المهم أن تتطور المدرسة بما يواكب احتياجاتها، وأن تعزز مكانتها مرجعية تعليمية سودانية موثوقة، تستند إلى جودة الأداء، وكفاءة المعلمين، وفاعلية الإدارة، والشفافية في التعامل مع أولياء الأمور، والقدرة على المراجعة والتحسين المستمر
إن عودة المدارس واستئناف الدراسة يمثلان بداية للأمل، لكن المحافظة على هذا الأمل تتطلب عملًا يتجاوز فتح الأبواب واستقبال الطلاب، إلى بناء بيئة تعليمية تحترم حقهم في المعرفة، وتدعم المعلمين، وتخضع الأداء للتقييم الموضوعي، وتجعل مصلحة الطالب معيارًا لكل قرار
ومن هنا، فإن تثمين الجهود التي تبذلها إدارة مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة ومعلموها لا ينفصل عن التطلع إلى المزيد من التطوير، فالتقدير الحقيقي لأي تجربة تعليمية هو الإيمان بقدرتها على النمو، ومساندة خطواتها الإيجابية، والعمل على أن تصبح الجودة ممارسة مستمرة لا هدفًا مؤجلًا
فالسودان الذي يتطلع إلى السلام والاستقرار وإعادة البناء يحتاج إلى تعليم يستعيد عافيته، ومدارس تهيئ الأجيال، وجامعات تنهض بالبحث والمعرفة، ومعلمين يجدون الدعم والتقدير، ومؤسسات رقابية تضمن الجودة وتحمي الحقوق
فالتعليم ليس ما نعود إليه بعد انتهاء الأزمات، بل هو أحد أهم الطرق التي نعبر بها من الأزمة إلى التعافي
ومهما طال طريق الاستقرار، يبقى الاستثمار في التعليم استثمارًا في قدرة السودان على النهوض، وتظل كل خطوة جادة نحو تطوير المدرسة والمعلم والبيئة التعليمية خطوة نحو مستقبل أكثر أمانًا وأملًا .

