أنقرة.. والاستثناء الذي يحتاج إلى تفسير
بقلم : طارق شريف ساتي
رئيس تحرير مجلة حواس
في العمل الدبلوماسي، كما في العمل الاقتصادي، لا تبنى الدول على الأشخاص، بل على المؤسسات. وحين تتحول القاعدة إلى استثناء، والاستثناء إلى قاعدة، فإن السؤال لا يعود سؤال فضول صحفي، بل يصبح سؤال دولة.
قامت وزارة الخارجية السودانية، مؤخراً، بحركة تنقلات واسعة، *شملت 17 سفيراً*، في إطار إعادة توزيع الكوادر وتجديد الدماء داخل الوزارة، وشملت عدداً من السفراء الذين أدوا مهامهم بكفاءة مشهودة.
غادر السفير محمد الغزالي التجاني موسكو، بعد أن قدم أداءً ممتازاً في واحدة من أصعب المحطات وأكثرها تعقيداً في ظروف الحرب، وعادت السفيرة مودة عمر حاج التوم من الرباط، بعد أن أحسنت تمثيل السودان في المغرب، وعاد السفير أحمد تبول القائم بالأعمال من نيجيريا، بعد أن سد فراغاً عريضاً هناك وتفوق على نفسه في العمل.
وشمل التغيير حتى الجنرال عدوي، المقرب من دوائر القرار، ومن رئيس منظومة الصناعات الدفاعية الفريق ميرغني إدريس.
كل هؤلاء انتهت مهامهم، وعادوا، احتراماً لقاعدة التداول، وانتهاء المدة، ولوائح الخدمة.
لكن القاعدة توقفت عند محطة واحدة: أنقرة.
السفير نادر يوسف الطيب، سفير السودان في تركيا، بلغ سن المعاش، ومُدد له بعد المعاش، وأكمل مدته في أنقرة، ومع ذلك لا يزال في موقعه، يمارس مهامه، ويستقبل، ويحتفل، ويتحدث باسم السودان، بينما زملاؤه الذين لم يبلغوا المعاش، ولم يكملوا بعضهم مدته، قد غادروا محطاتهم.
هنا لا نسأل عن الرجل، فله التقدير كدبلوماسي، ولا نشكك في جهده في أنقرة، وهي محطة مهمة وحساسة، وتركيا دولة صديقة وقفت مع السودان في أصعب الظروف. لكننا نسأل عن المعيار.
ما هو سر البقاء في أنقرة رغم أنف القوانين واللوائح والأعراف التي تحكم وزارة الخارجية؟
هل هناك تقدير مهني خاص بأن أنقرة تحتاج إلى استمرارية في هذا الظرف الدقيق؟ إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تخرج الوزارة وتعلن ذلك بوضوح، وتقول للرأي العام: مددنا للسفير نادر لعام كذا، للأسباب الآتية؟ الشفافية لا تُضعف القرار، بل تحميه.
أم أن هناك تدخلات عليا أبقت عليه، فوق إرادة الوزارة ولوائحها؟ إذا كان هذا هو الواقع، فهذا أخطر من مجرد تمديد لسفير، لأنه يعني أن وزارة الخارجية، وهي واجهة الدولة وسيادتها، تُدار بالاستثناء لا بالمؤسسة، وبالمزاج لا بالقانون.
إن السودان اليوم في حرب وجودية، وهو أحوج ما يكون إلى دبلوماسية مهنية، لا دبلوماسية مجاملات. ودبلوماسية المجاملات هي التي جعلت سفاراتنا في بعض المحطات عبئاً لا سنداً، وجعلت الكفاءات تتسرب، والولاء يسبق الكفاءة.
نحن في “حواس” لا نطالب بإقالة سفير، ولا ندافع عن سفير آخر. نطالب بقاعدة واحدة تسري على الجميع. إذا كان المعاش هو المعاش، فليكن على الجميع. وإذا كانت المدة هي المدة، فلتكن على الجميع. وإذا كان التمديد استثناءً تفرضه مصلحة الوطن، فليكن معلناً ومبرراً ومحدداً بزمن، لا تمديداً مفتوحاً لا يعرف أحد نهايته.
أنقرة تستحق سفيراً قوياً، والسودان يستحق وزارة خارجية قوية، والقوة لا تأتي من بقاء شخص، بل من احترام المؤسسة التي يمثلها.
ننتظر من وزارة الخارجية إجابة، لا تسريباً.
*طارق شريف ساتي*

