محمد عبدالقادر ..
القوى السياسية.. هل تفيق بعد الحرب؟! …
تتحمل قوانا السياسية المتشظية
والمختلفة والمنقسمة جزءا كبيرا من مسؤولية الحرب التى اندلعت ببلادنا في الخامس من أبريل المنصرم، وما حاق بها من قتل وحرائق ودمار وتشريد وتنزيح لملايين المواطنين.
فشلت الأحزاب في التعامل مع الواقع السياسي بعد التغيير الذى أطاح بنظام الرئيس المعزول عمر البشير، ولم تستفد من السانحة التاريخية التى انتظرها السودانيون كثيرا ل(تصفير) عداد الأزمات التاريخية ووضع الإجابات النموذجية للأسئلة التى ظل يطرحها السودانيون منذ فجر الاستقلال والمرتبطة بالهوية ونظام الحكم والدستور والمتعلقة بتوظيف التنوع العرقي والاثني لتاسيس دولة قوية ومتقدمة ومحترمة.
أضاعت القوى السياسية سانحة التغيير ومارست على بعضها ذات الأدواء القديمة، التي ظننا أن التغيير سيمحوها من خارطة الاداء السياسي المعطوب بفعل انقسام الاحزاب على بعضها واحتدام الخلافات في ما بينها .
لم ترتفع الاحزاب إلى مستوى التحديات الجديدة فاضاعت على السودانيين فرصة بناء دولة ديمقراطية قوية وراشدة لأنها ظلت تقرا من ذات الكتاب القديم، اقصاء، انقسام ، خلافات، إضعاف للجيش والمنظومة الامنية، وتصنيفها ك(عدو) ، ضعف في البرامج و(أستهبال بالشعارات) ، جري وراء المحاصصات، وتغليب للمصالح الحزبية والاجندة الصغيرة على حساب المصلحة الوطنية، ورهن للقرار الوطني للمطامع الاجنبية.
ومن الغريب فعلا أن ممارسة أطراف النادي السياسي السودانى لم يحدث فيها أي تغيير إيجابي يتفق على ثوابت تحفظ كيان السودان مستقرا وامنا وموحدا، والسبب في ذلك عدم تفريق قوانا السياسية (من أقصي اليمين الى آخر اليسار) بين (التكتيكي والاستراتيجي)، إذ ظلت بعيدة عن تخطيط الملعب السياسي بثوابت ومحددات تحافظ على تماسك الخريطة وأمن ورفاهية وسلامة المواطنين وفشلت كذلك فى أحداث توافق على قضايا كلية تؤمن ظهر الوطن وتحسم الجدل حول أمنه القومي وأهمية وحدة اراضيه وسد الثغرات أمام الاختراقات الخارجية، والمهددات الداخلية..
وأن كانت القوى السياسية مجتمعة تتساوى في المسؤولية تجاه ما يحدث الأن إلا أن العبء الأكبر يقع على عاتق (قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي) لأنها أضاعت الفترة الانتقالية التي تحملت فيها المسؤولية، وأنصرفت لتصفية الحسابات في ما بينها وبين خصومها السياسيين واقترفت أخطاء فادحة باستعدائها للاسلاميين ، وباستهدافها للجيش وبتواطئها الجهير مع مليشيا الدعم السريع لاحقا حتى وقعت الحرب وحدث ماحدث.
ولا أرى أن القوى السياسية الموسومة بالوطنية في الضفة الاخرى باحسن حال من (قوى الحرية والتغيير المركزي) إذ مازالت تعانى ضعفا بائنا على مستوى البرامج والتخطيط، وأجتراح الحلول لازمات الوطن والمواطن، وقد ظلت تشكل فراغا تمددت فيه القوى صاحبة البرامج غير الوطنية والاجندة المرتبطة بالخارج حتى تعاظمت المخاطر على البلد وأصبح السودان نهبا للمطامع الخارجية.
اسوأ ما يمكن ملاحظته أن القوى الموجودة على الساحة السياسية أما مرتهنة للخارج أو منقسمة فى الداخل، وانها لم تتواضع بعد على خطوط حمراء تهيئ ملعب التنافس السياسي بما يحفظ أمن واستقرار وسيادة البلد، والأغرب أن الظروف التي مرت على البلاد كافة بما فيها الحرب لم تغير من طريقتها في التعاطي مع الأحداث ولم تغير منهجها أو تجعلها حريصة على الاقتراب من الأخر مهما كان حجم الخلافات، وقد تجلي ذلك في فشل الاحزاب حينما دعاها الفريق أول عبدالفتاح البرهان للتوافق نظير أبتعاد الجيش عن ميدان السياسة وعودته إلى الثكنات،وحينما ظن المراقبون الظنون فى نوايا البرهان واعتبروها مماحكة لعدم تسليم السلطة كانوا يعلمون أن إتفاق الأحزاب أصبح من رابع المستحيلات مثل الغول والعنقاء والخل الوفي.
المطلوب من القوى السياسية بعد الحرب أن تكون لديها مؤسسات راشدة تجعل من الديمقراطيةمنهجا لها وأن تنبذ خطاب الكراهية مثلما زرعته أحزاب ما بعد الثورة فى مرحلة ما بعد التغيير ، وأن تروج لافكارها مهما كانت طبيعتها بطريقة متقدمة ومحترمة، وتتجه الى التكتل الذى تشهده الديمقراطيات الراسخة فى العالم ، وتركز على تطوير البلاد ونهضتها بعيدا عن الايدلوجيا، وتسعى إلى مافيه خير المواطن وتجعله ضمن أولويات برامجها وأجندتها التي مازالت بعيدة عن همومه اليومية، والمطلوب كذلك من الأحزاب الترويج للممارسة الديمقراطية وترسيخ ثقافة الانتخابات والتداول السلمى للراي والسلطة، والتوافق على ثوابت وطنية تتجاوز بالبلاد أخطاء الماضي التي اوصلتنا إلى ما نحن عليه الآن
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً
اشترك في نشرتنا الإلكترونية مجاناً.

