على مسؤوليتي
طارق شريف
استبدال العملة الممكن والمستحيل
في مجموعة اقتصاد السودان الواقع والمستقبل التي جمعت فيها المهندسة ناهد عبد الحفيظ خبراء الاقتصاد السوداني للتداول في الراهن الاقتصادي
نشر الخبير الاقتصادى د. حسين ادم إيدام مقالا عن استبدال العملة السودانية وقد نشر المقال أيضا في الموقع الإلكتروني لمجلة حواس .
استبدال العملة عملية معقدة كما أشار الكاتب خاصةً في ظل الحرب التي دمرت كافة المرافق من بنوك، وقطاع أعمال وبنيات تحتية، وباختصار كل شئ.
في ظل هذه الظروف يصعب علي البنك المركزي، والذي يحمد له أنه أستطاع حتي الآن استعادة الجهاز المصرفي، والإبقاء عليه عاملاً، حيث يمكن لأي مودع الحصول علي ودائعه بكل يسر، ولأي متعامل إجراء ما يشاء من تحاويل داخلية أو خارجية، بل والحصول علي تمويل مصرفي، مع توفر كامل للأوراق النقدية دون انقطاع طوال فترة الحرب، رغم ما تم نهبه من أموال من خزائن البنوك، ومطابع العملة، والبنك المركزي نفسه.. في ظل هذه الظروف يصعب علي البنك المركزي اجراء استبدال للعملة، ليس فقط بسبب عدم توفر الأموال التي تتطلبها طباعة أوراق نقدية جديدة، أو رغبة البنك في الحفاظ علي ما لديه من موارد نقد أجنبي لمقابلة الصرف علي المجهود الحربي في ظل توقف الدعم الخارجي، وانحسار عوائد الصادرات وكافة مصادر الايرادات الأخري، بل أيضاً بسبب التعقيدات الأمنيّة واللوجستية التي نشأت بسبب الحرب التي بدأت في ولاية الخرطوم، ثم انتقلت الي عدد من الولايات الأخري ذات الثقل السكاني والاقتصادي والمالي الأهم في البلاد مخلفةً أصنافاً من الدمار والرعب وعدم الاستقرار.
ونظراً لضخامة الأموال التي تم نهبها، فقد نشط كثيرون في إطلاق المناشدات للبنك المركزي لإطلاق عملية استبدال للعملة، إلا أن أصحاب هذه المناشدات لم يفطنوا لحجم التحديات التي يمكن أن تواجه مثل هذا الإجراء، فبعيداً عن تكلفة طباعة عملة جديدة، والزمن المطلوب لإنتاجها في الخارج (عشرة إلي إثني عشر شهراً)، هنالك أسئلة أخري تتعلق بكيفية اجراء عملية الاستبدال: أين وكيف ستقام مراكز الاستبدال، وكيف سيتم نقل الأوراق النقدية الجديدة إليها، وكيف سيتم تخزينها وتأمينها، وهل سيقتصر الاستبدال فقط علي الولايات والمناطق الآمنة، وما مصير الأوراق القديمة بحوزة مواطني الولايات التي تدور فيها الحرب؟ وإذا اعتمد بنك السودان أسلوب الطرح بديلاً للإستبدال المباشر، فهل يساعد الانتشار المصرفي الحالي المحدود الذي لا يغطي كافة الولايات في سحب الأوراق النقدية القديمة من أيدي الجمهور وإيداعها لدي بنك السودان؟
هذه الأسئلة وغيرها لا يتطرق إليها دعاة استبدال العملة الذين يتصورون عملية الاستبدال حلاً سهلاً وسحرياً لمشكلة الاقتصاد في ظل الحرب، بل وحتي قبل اندلاع الحرب إبان حكومة حمدوك التي عقدت لها ورشة عمل استدعت للحديث فيها أحد المختصين من ادارات بنك السودان.
إن إلغاء فئات العملة المتداولة حالياً، واعتبارها أوراق نقدية غير مبرئة الذمة، هو قرار سهل بإمكان بنك السودان أن يتخذه فقط بالإعلان عنه في الوسائط الإعلامية المختلفة، ولكن هل سيكون مثل هذا القرار حكيماً، أو حتي قابلاً للتطبيق في ظل هذه التعقيدات الماثلة التي أشرنا إليها؟ ما البديل الذي يمكن أن يقدمه بنك السودان للبنوك وللمواطن في هذه الظروف حتي لا تتوقف عجلة الاقتصاد؟
إن مواجهة ما تم من نهب وسرقة للأموال من البنوك، ومؤسسات الدولة، وشركات القطاع الخاص والعام، وبيوت المواطنين لا يمكن أن يتم من خلال استبدال للعملة غير مدروس، وغير قابل للتنفيذ أصلاً، لما يحيط به من تعقيدات لوجستية وأمنية بالغة التعقيد في ظل الحرب، ورغم ذلك نحن نثق في قدرة البنك المركزي والأجهزة الأمنية المختصة علي اتخاذ خطوة مابخلاف استبدال العملة تسهم في كسر حاجز التحديات التي أفرزتها الحرب وما تبعها من نهب للأموال العامة والخاصة.

