على تمام الوطن
سواتر القتال وزمان الفقد
مهندسة أميمة عبد الله
يقول ميخائيل نعيمة :
( الحرب لو يعلمون لا تستعر نيرانها في أجواف المدافع، بل في قلوب الناس وأفكارهم )
و الحرب كما الموت كلاهما أمامنا، قدر محتوم، إلا أننا نجاهد لكي نستوعب أن هذا الأمر الآن أمامنا،و أننا في قلب المشهد بكل سوداويته، و أننا ندفن موتانا في الطرقات وتحت الجبال وعند المعابر وعلى حدود الدول وفي ظل الأشجار وداخل المنازل وفي الغابات، وأن الحرب بكل بشاعتها ومحنتها وقسوتها نخوضها، وأن الموت يحف بنا، نشعر به إلا أننا لا نقوى على النظر إليه، وأن حياة المئات أصبحت و كأنها شريط تلفزيونيٌ باهت في ماضي بعيد، و أن القلوب بركت من الفواجع كما تبرك الناقة بعد طول مسير.
و أن هذه الحقبة المظلمة نحن عليها شهود، نتابع وندّخر قصص الفراق والنزوح والقهر والحاجة والفقر، و للتوثيق زمانه و ليست كل الكوارث تُكتب في أوانها، الفراق العظيم يُعاش أولاً، وموت الأبناء في الحرب طويلة الأمد يأتي من كل الطرقات فيشيع الآباء الأبناء، يقبرونهم بأيديهم و الآخرين يمضون حتى دون ان يتمكن أباءهم من دفنهم ، هكذا فقدوا في الأسر الطويل ثم مضوا إلى خالقهم بقيدهم و حسرتهم .
طول أمد الحرب يُضعف الأمل ويقهر النفس ويُوهن الجسد ويجعل العقل حائراً و يقطع الرزق و يُفقر الغني ويُذل في الحرب العزيز، و حربنا طالت و طال أمدها، توسعت و خنقت الرقاب والدولة وأصبحنا نتحسس الأمان و نبحث عنه في مبادرات دول الجوار والدول البعيدة ، نقطع المحيطات والبحار لنقول لهم أسندونا فقد عجزنا، في أسوأ مشهد في تاريخ البلاد الحديث، إن الأطماع ما وجدت السبيل إلا في السماح للآخرين بالتدخل في الشئون الداخلية ، و غالبا أن الآخرين يضعفوك ولا يزيدوك قوة
في الحرب
تُحرق قلوب الأمهات بالفقد، في موت الأبناء تتساوى الأعمار وينخر الحزن قلوبهن ، لا فرق عندهن إن كانت أعمارهم تسعة عشر أو خمسين هو الولد الذي أخذته الرصاصة أو الغدر أو القهر، وهي البنت التي ماتت بين يدي أمها في رحلة الهروب، هو الموت الذي لا يفرق وهو البلاء والإمتحان
وهى سواتر القتال التي ما سترت، ثقوبها كانت بيننا وحولنا، ما استبان أهل الحكم النصح لا ضحى ولا بعد عام حتى، تعددت و تنوعت وتوسعت، من بين الثقوب تلك جاء أعوان العدو، فتحوا الطريق للترويع و إحتلال المدن ومكّنوا الجنجويد أعوان الشيطان من عباد الله ، حملوا قلوبهم الثقيلة بالهم و انتشرون هاربين ينشدون الأمان ، مشوا لساعاتٍ وساعات طوال، تركوا كل شىء خلفهم ومضوا، بيوتهم و سنوات عمرهم.
وفي الحرب ينظر القادة إلى النزوح والرعب والخوف الذي سألت له قلوب الناس وكأنه زوبعة بلا قيمة، المهم هو إنتصار الجيش حتى لو كانت الفاتورة ذُل العباد وصفعات الشيطان ، والشيطان يسرق المخازن و المحاصيل والبيوت وينهب حتى كيلو الدقيق من مطابخ الفقراء، والدولة تجتهد آلا تغرق في وحل الازمات ، تجاهد لتنجو، فإن نجح جيشها في دحر الغزاة قسم ظهرها الغلاء و سقوط عملتها، والدولة الآن مكشوفة للنكبات وبلا حكومة وطنية قوية تراعي حق الله والوطن.
لقد سرقت المليشيات الدولة ، ذلك هو ما حدث بالضبط سرق الجنجويد الدولة علة مرآي من كل الأعين، نهبوا البنوك والمؤسسات والبيوت و المحاصيل وفي طريقهم نهبوا منا الموسم الزراعي القادم ،عطلوا المشاريع وهجرّوا أهلها.
هل يعقل أن تسرق مليشيا دولة قامت على أرضها أكثر من ستة حضارات !؟
إلا أنها سرقتها وشردت أهلها و تمادت في الباطل حتى أنها أذهلت الحق .
إن الخطر ليس محصوراً على الآن بل الخطر الكارثيّ في مخلفات هذه الحرب والضرر الذي ستخلفه على الجوانب الإقتصادية والإجتماعية والثقافية ، لن نبدأ من الصفر بل سنبدأ من الرماد والتخلف والفقر المدقع في المال والأخلاق والقيم و المبادئ بالإضافة إلى مواجهة مخاطر تفكك المجتمع .
أيدرك القائمين على أمر الدولة هذه المخاطر التي سيورثونها للبلاد ؟؟
أعجز اؤلياء أمر الدولة عن إيجاد أشخاص يصلحون لإنتشالها من وحل الأزمات، إن هذه الحرب التي عمقّت الإنشقاق في البلاد و فاقمت الوضع الإنساني و ضيقت مداخل الرزق و جعلت ثلاثة أرباع الشعب خاوي اليدين مع تدهور مريع لقيمة العملة الوطنية ، لقد تمكّنت الحرب من مفاصل الدولة و تفاقمت مشاكل المعيشة و باتت المدن الآمنة في قبضة الغلاء المتصاعد
لم تأتِ الحرب هكذا فجاءة ، كل المقدمات كانت واضحة لقد جر إنفجار الوضع السياسي البلاد للحرب ، فهل ينجح من يقومون الآن على العملية السياسية في إخراجنا من جحر الضب هذا ؟؟
إن مؤسسات الدولة الآن منهكة هي والقائمين على أمرها من توفير متطلبات الحرب، جددوا اداء المؤسسات بالكفاءات السودانية، جربوا غير الذين هم الآن قبل أن تفقد مؤسسات الدولة هيبتها و المؤسسات العدلية سلطتها ، لقد انتقد الكثيرين الفساد إلا أن الدولة لم تضع له حداً ، انتقد اصحاب الأقلام إدارة الدولة إلا أن التدهور نحو الهاوية يذهلنا، إجتهد الحادبون من أجل تحقيق العدالة إلا أننا عجزنا عن تحقيقها ، فحلق فوقنا طائر الخراب
إن النهوض من جديد ليس مستحيلا إلا أنه صعب للغاية ، وأن تلتزم النخبة القادمة، بالمبادئ و أخلاق الشرف الوطني، تحتاج إلى بناء الثقة بين القيادة والشعب ، إن البلاد في حاجة إلى قيادة سياسية على قدر التحدي تكون قادرة على التخطيط وواسعة الإداراك وتستطيع النظر إلى القضايا بعين الشمول لا الضيق ، البلاد في حاجة إلى نهضة فاعلة قوية وتعزيز سلطة القانون والتنمية الشاملة و قبل ذلك العمل على إصلاح المجتمع .

