اقتصاديات حذف الأصفار
د. محمد قسم الله محمد ابراهيم
* المملكة العربية السعودية
* أكاديمي وباحث
قرار الحكومة بشأن تغيير العملة تأخّر كثيراً جداً عن ما كان ينبغي أن يكون عليه الحال، ولا نريد أن نقول فقد جدواه إلى حد كبير بسبب التأخير لكنه لا يزال الطريق الوحيد في ظل المعطيات والتعقيدات الآنية، فاتخاذ قرار مثل تبديل العملة هو قرار إستراتيجي كان يجب أن يكون في أولى اولويات حكومة الحرب والتي إن لم يعلن عنها الرئيس البرهان فهي حكومة أمر واقع اليوم، وقد توقعنا أن يكون قرار تبديل العملة وحجز الأرصدة هو أول قرار سيصدر فور إعلان الحرب، لكن الشاهد والمؤسف أنّ الحكومة أغفلت هذه الجزئية المهمة حتى تسربت كتلة نقدية ضخمة لمسارات أخرى بعيداً عن الرقابة مثل المضاربات وشراء العملات الأجنبيةوالتهريب للخارج وتمويل نشاط المليشيا مباشرةً أو بطرق غير مباشرة بالأموال المنهوبة من البنوك والأسواق والمواطنين وكان يمكن إعلانها مبكراً إنها عملة غير مبرئة للذمة.
طوال الفترات الماضية منذ نهاية عهد البشير وبعد الثورة (المخطوفة) وما بعد الحرب ظلّ الجنيه السوداني يتهاوى صباح كل يوم جديد والسياسات المالية في وزارة المالية والسياسات النقدية في البنك المركزي تقف متفرجة ولا نقول عاجزة فالمنهجيات الروتينية معروفة ومتعارفة لاستنقاذ مثل هذه المخاطر ولو جزئياً ولا تحتاج لمعادلات فيزيائية.
قرابة العامين على حرب السودان وهي حرب قاسية على الجيش أولاً وعلى المواطن الذي دفع ثمناً باهظاً كذلك وستُلقي بظلالها الداكنة على مجتمعنا سنوات طويلة بعد انتهائها. ولكن الملاحظ للمراقب العادي إنّ الوزير الحالي رغم جهده المقدر في إدارة فجوة الإيراد الجالية غير إنه وبمشاركة سلطات البنك المركزي إصدار قرارات بعيدة المدىفي التحكم في الكتلة النقدية ومصادرها وكيفية تشغيلها منذ أول يوم لإنطلاقة الحرب، وهنا نذكر الوزير السابق الدكتور البدوي الذي وجد وضعاً مالياً لا بأس به للدولة وللأسف أسهم مساهمة فعالة في تدهور الموقف وكانت الأجواء وقتها دولياًوإقليمياً ومحلياً متاحة لاستقطاب الدعم وتشغيله بطرق امثل ولكنه انصرف لقضايا سياسية أكثر منها موضوعية، وعلاوةً على إغفال البدوي ومعه حمدوك ورئيسهما حميدتي في اللجنة الاقتصادية سيئة السمعة أونذاك أغفلوا الكتلة النقدية وتبديل العملة، بل زاد الوزير البدوي الطين بلة حين أصدر قراره بضخ مزيد من النقد في السوق بزيادة المرتبات التي أشعلت الأسعار والتضخم، ومعروف في مبادئ الاقتصاد إنّ زيادة السيولة النقدية في أيدي الجمهور بشكل أكبر من الزيادة في انتاج السلع والخدمات، سيؤدي إلى إرتفاع أسعار تلك السلع والخدمات، والارتفاع بالمستوى العام للأسعار يعني انخفاض قيمة الجنيه السوداني وانخفاض قيمة الجنيه يعني انخفاض القوة الشرائية وغيرها من متلازمات وتعقيدات التضخم..فقرارات البدوي وقتها حقيقة الأمر لم تكن غير ضربة البداية لمباراة الدولار والأسعار والجنيه.
في بدايات عهد حكومة الإنقاذ لجأت باكراً لتبديل العملة ومن خلالها أنفذت عدة إجراءات في مقدمتها رقابة الكتلة النقدية المتاحة حيث ألزمت الجميع بإيداع أموالهم في البنوك وسمحت فقط بمبالغ ضئيلة لعلها كانت في حدود الخمسة آلاف جنيه من العملة الجديدة حتى ولو كانت أرصدتك مليارات فليس أمامك إلا هذه الخمسة آلاف جنيه ثم عمدت الحكومة إلى تبديل العملة لتكون ديناراً وعبرها تم حذف صفر لتصبح كل عشرة جنيهات ديناراً واحداً وهي عملية ديكورية وشكلية بطبيعة الحال للإيحاء بتحسن الوضع على الأقل من ناحية نظرية فأنت تقول حينها كيلو اللحم مثلاً بخمسين ديناراً بدلاً عن قولنا خمسمائة جنيه. وقد استخدمت المؤسسة الاقتصادية في حكومة البشير العديد من الأساليب في شأن العملة وتبديلها والتحكم في حجمها ودورانها في تقلباتها بين الدينار والجنيه وحذف صفر عند كل عملية تبديل كان آخرها في العام 2007 حيث تم حذف صفرين من الجنيه ليصبح مجموع الأصفار المحذوفة من العملة القديمة (جنيه قديم) ثلاثة أصفار ولذلك نقول في تداولاتنا المحلية غير الرسمية في الأسواق ألف جنيه قديم يساوي مليون جنيه جديد، وسواء اختلفنا أو اتفقنا مع تلك السياسات من ناحية منهجية لكنها أفرزت واقعاً جيداً نسبياً ولو إلى حين على الأقل من ناحية نفسية لدى رجل الشارع العادي.
الشاهد هنا أنّ إقتصاديات حذف الأصفار تُقدم عليها بعض الدول في إطار خطة إقتصادية معينة لمواجهة التضخم الكبير وانخفاض قوة العملة ولمواجهة الانهيار الاقتصادي المحتمل وهي تعني إزالة عدد من الأصفار وإصدار عملة جديدة مصحوباً ذلك بعدة تدابير مالية ونقدية في مقدمتها التحكم بالكتلة المطروحة وبالتالي تقوية موقف العملة بما يساهم في الحصول على الائتمان الدولي، كما أنّ حذف الأصفار يُغني عن إصدار فئات نقدية كبيرة وهذه في تقديري أولى عتبات الهبوط بالبراشوت حين تصدر فئة ورقية كبيرة ثم لا تقوى هذه الوريقة على شراء نصف كيلو من (اللحم الضاني) وأحياناً إصدار الفئات الكبيرة بمثابة إطلاق نار على المنظومة النقدية كلها.
هنالك عدد من الدول التي دخلت في إطار إقتصاديات حذف الأصفار ومنها فنزويللا التي قامت بحذف خمسة أصفار من عملتها المحلية من أجل ترويض التضخم المنفلت فيها، وكذلك تركيا التي حذفت ستة أصفار من عملتها في العام2005م وغيرها.
إقتصاديات حذف الأصفار عملية مظهرية شكلية كما قلنا ولكنها ضرورية في بعض الاحيان، وقد يكون ضررها أكبر من نفعها في ذات الوقت إذا لم تكن مصحوبة بتخطيط وإصلاح هيكلي واضح المعالم.
ربما سيكون أحد الحلول للخروج من أزمتنا الاقتصادية مستقبلاً هو حذف الأصفار. أما تبديل العملة فهو أكثر ضرورة ولكن هو بحاجة ليتزامن مع تعديل العملة (حذف أصفار) كذلك وليس التبديل فحسب ، وأول خطوات الإصلاح هو أن تهيئ الشعور العام بمعقولية الأشياء فالبُعد النفسي مهم إلى درجة لا يُستهان بها عند المستهلكين ونظرية سلوك المستهلك وتفضيلاتهم تقوم على زوايا نفسية ولذلك من المطلوب إشاعة شعور بين الناس بمقبولية القيمة النسبية بين العملة وما تقدمه من حاجيات أو خدمات.
هي تبدو عملية مظهرية بادئ الأمر-حذف الأصفار- لكنها ستنتج فوائد على المدى إذا رافقتها تدابير صارمة في مقدمتها تعزيز الإنتاج وبدائل الموارد وتوليد وتعبئة المدخرات وتشغيلها في دورة محكمة ومغلقة وليس السماح بتسرب المداخيل كما يجري الآن في التهريب والمضاربات وهدر الموارد (الذهب كمثال). والحكومة ممثلة في وزارة المالية ومؤسستهاالنقدية ممثلة في بنك السودان والبنوك مجتمعة يمكنها أن تصنع الفارق الإيجابي إذا مارست مهامها دون تدخلات سياسية وإدارية قطعاً ستأتي هذه التدخلات من هنا وهنالك مدفوعة بمصالحها الضيقة لتقطع الطريق أمام كل إصلاح حقيقي في الواقع العملي، إنّ عمليات تعديل وتبديل العملة عموماً هي منهجيات فنية بحتة وتنظيمية لا تخلو من الصعوية ولكنها ليست مستحيلة في طريق الإصلاح الاقتصادي الذي لن تجدي معه إطلاقاً الحلول الأمنية التي انتهجتها الحكومة كثيراً وفي فترات سابقة متكررة زادت الموقف المالي والنقدي تعقيداً وفشلاً، فآليات السوق ومفاهيم العرض والطلب والتوازن وما بينهما لن تخضع فقط للأوامر والتوجيهات و(الكشات) والاماني السندسية.
اخيراً.. رغم إهمال الحكومة طويلاً طويلاً للمشكلة الاقتصادية وقضايا التضخم والمضاربات والتهريب وتجارة العملات وغيرها، ففي عدم الاستقرار الاقتصادي لن نستقر سياسياً ولا عسكرياً ولا اجتماعياً.
ليس بمقدورنا أن نتحذلق واقتصادنا الحالي اقتصاد حرب الكلمة فيه للجيش والوطن لكننا كذلك نتطلع لحلول جزئية أثناء الحرب وبعدهافاقتصادنا بحاجة لتفكير كبير ومشروعات كبيرة وتمويل لن تبخل به المؤسسات الدولية إذا اتجهت الدولة للإنتاج والتخطيط الاقتصادي الصحيح ، عشرات الموارد الكامنة يمكن تفعيلها وتشغيلها في المشاريع الزراعية والصناعية والثروة الحيوانية والذهب والبترول في صمت بعيداً عن البروباقندا والشوفونية والاستقطاب السياسي الذي أنهكنا طويلاً وجعلنا نستجدي كل شئ كل شئ وصلنا بجدارة إلى نقطة الصفر

