الحكومة وتنمية قطاع التمويل الأصغر
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
كبير خبراء برنامج الخليج العربي للتنمية.
لا شك أن مؤسسات التمويل الأصغر تحتاج إلى الدعم من الحكومة، خاصة في مراحلها الأولى. ولكن أي دعم يرجي من الحكومة؟. أثبتت التجارب أن دور الحكومة يظل محدودا في أنواع محددة من أساليب وبرامج الدعم للقطاع. في مجال التأثير الحكومي على القطاع لا ينبغي للحكومة “تسييس” التمويل الأصغر، بمعني لا ينبغي للسياسيين (من الأحزاب الحاكمة والمعارضة) أن يستخدموا التمويل الأصغر كأداة لشراء الأصوات. كما ينبغي لمؤسسات التمويل الأصغر أن تكون مستقلة في حوكمة وإدارة عملياتها بعيدا عن التأثير الحكومي. من غير المفيد لمختلف المستويات الحكومية اتحادية أم ولائية أن تشارك في تقديم التمويل الأصغر بشكل مباشر بمعني أن تقدم ائتمانًا مدعومًا من مؤسسات تابعه لها تحت أي مسمي وبأي زريعة. ان تأثير الإزاحة هو مفهوم محوري في النظرية الاقتصادية، وخاصة في المناقشات المحيطة بالإستثمار الحكومي وتأثيره على استثمارات القطاع الخاص سلبا بما في ذلك قطاع التمويل الأصغر. وتستند هذه النظرية إلى الفكرة الاقتصادية الأساسية المتمثلة في أن دخول الاستثمار الحكومي يمتص حصة من نشاطات القطاع الخاص. مما يترك قدراً أقل متاحاً للمستثمرين في السوق و يؤدي هذا الي انخفاض الاستثمار الخاص نظرا لمحدودية السوق نفسه. هذا ما يسمى بازاحة القطاع الحكومي للقطاع الخاص في الاستثمار.
إذا كانت مؤسسات التمويل الأصغر ذات الخصائص والمهام المتشابهة تتمتع بإمكانيات مختلفة للوصول إلى مصادر رأس المال بأسعار متباينة على نطاق واسع نتيجة لتفضيلات أو استثمارات الحكومة في القطاع سيؤدي ذلك الوصول التفاضلي إلى مصادر الأموال المنخفضة التكلفة من الحكومة لمؤسساتها العاملة في السوق لخلق صعوبة في المنافسة ضد مؤسسات القطاع الخاص لصالح المؤسسات الحكومية. ينبغي النظر إلى المنافسة العادلة في الأسواق باعتبارها فرصة لمؤسسة التمويل الأصغر لزيادة الكفاءة وتحسين الخدمات وجذب العملاء المحتملين وتوسيع قاعدة اختراق السوق . فضلا عن ذلك فان الاهتمام المتزايد الحالي من جانب المستثمرين الاجتماعيين وشركاء التنمية في قطاع التمويل الأصغر أمر جيد، ولكن لكيلا يتشوه السوق بأسعار فائدة تفضيلية أيضا ينبغي للمؤسسات الاجتماعية المرخصة أن تعمل بالأسعار السوقية الجارية مع الاحتفاظ بالأرباح في التوسع وتقديم خدمات أخري غير مالية.
ان العمليات المتوازية المدعومة التي تقوم بها الحكومة (وكذلك المنظمات غير الحكومية) في قطاع التمويل الأصغر تعمل على تشويه أسواق التمويل الأصغر. وهناك تهديد متزايد من جانب الجهات المانحة وغيرها من الكيانات التي تقدم قروضاً غير قابلة للتحصيل من عملائها، بتقديم مفاهيم مغلوطة لبقية عملاء القطاع بأن التمويل الأصغر منحة غير مستردة، مما يزيد معدلات التعثر في المؤسسات الربحية المسجلة. إن عرض القروض المدعومة من الجهات المانحة والقروض الميسرة يعوق تطوير مؤسسات التمويل الأصغر المستدامة. ومع ذلك، يمكن للحكومة (ومنظمات غير الحكومية) أن تشارك في بناء قدرات مؤسسات التمويل الأصغر والعملاء من خلال المشاركة في عمليات التدريب، وتزويدهم بالأجهزة وغيرها من المرافق التي تقلل من تكاليفهم العامة. كما يمكن للحكومة دعم رؤوس أموال المؤسسات ووضع السياسات والاستراتيجيات وبناء البنية التحتية ومؤسسات الضمان بالجملة لتسهيل العمل للمؤسسات في الحصول على التمويلات بالجملة من البنوك لأنها هي الأقرب للعملاء، خاصة في الريف. الدور الرئيسي للحكومة هو صتع سياسات حكيمة للتمويل الأصغر تضمن استقرار وحوكمة ونمو القطاع وحماية زبائنه من جميع الممارسات السيئة من قبل المؤسسات عبر المتابعه للمؤسسات المرخص لها بالعمل. كما ينبغي للسياسات أن تعمل على تشجيع المؤسسات للتحول من مؤسسات لا تقبل الودائع لمؤسسات تقبل الودائع بعد استيفاء شروط محددة وكذلك الانتقال من مؤسسات لبنوك للتمويل الأصغر بزيادة رأسمالها وتقوية أساليب الحوكمة فيها، بشرط أن لا تخرج عن مهامها كبنوك للتمويل الأصغر الي مهام المصارف كبيرة الحجم وضمان أن تشارك مؤسسات التمويل الأصغر في توفير خدمات الشمول المالي الشاملة دون الانحراف عن مهمتها الأصلية المتمثلة في تقديم الخدمات المالية للأسر الفقيرة والنشطة اقتصاديا. التحول لنشاطات شبيهة بالمصارف التجارية يبعد بنوك التمويل الأصغر من مهامها الرئيسية التي تم التصديق عليها.
يتمثل دو ر الحكومة أيضا في تقديم الدعم للمؤسسات عبر انظمة المعلومات الادارية. من المعروف أن أنظمة المعلومات الإدارية الضعيفة أثرت على كفاءة مؤسسات التمويل الأصغر بشكل كبير. ويتفاقم هذا الأمر بسبب الافتقار إلى البرامج القياسية والبنية الأساسية لدعم شبكة أنظمة المعلومات الإدارية في المناطق النائية. كما يمكنها تقديم الدعم عبر تدريب القوى العاملة وأعضاء مجالس الادارات لتحسين الفهم للتمويل الأصغر وكيفية تطويره. هناك غياب لخدمات تطوير الأعمال للعملاء. وعلى الرغم من أن مؤسسات التمويل الأصغر تتبع النهج البسيط لخفض التكاليف وتحقيق الاكتفاء الذاتي التشغيلي والمالي، فإن الحجومة (والمنظمات غير الحكومية) يمكن أن تقدم خدمات تطوير الأعمال و المساعدة في حل مشكلة التسويق للعملاء.

