عملاء وبرامج التمويل الأصغر و عملاء برامج للتخفيف من حدة الفقر:
هل هما متوافقان؟
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم.
كبير الخبراء، برنامج الخليج العربي للتنميه، أجفند.
أدخلت العديد من مؤسسات التمويل الأصغر مجموعة من البرامج المصممة خصيصاً للوصول إلى الفقراء. ولكن هذه البرامج ليست تمويلاً أصغر كما يعتقد الكثير من الناس، بل هي برامج للتخفيف من حدة الفقر للفقراء غير النشطين اقتصاديا . هذه البرامج ليست “مستدامة” وأقل ربحية. من هذه البرامج أذكر البرنامج الفريد الذي زرناه قبل عدة سنوات في بنغلاديش والذي يطبق عليه “برنامج المتسولين”، الذي أدخله بنك جرامين بقروض صغيرة للغاية بدون فوائد مع مرونة في السداد، لتمكينهم من إضافة البيع التجاري الصغير إلى نشاط التسول التقليدي في طرق المدينة.
الواقع أن بعض هذه البرامج المصممة للوصول للفقراء غير النشطين اقتصاديا مكنت أعدادا من النساء والرجال من الإفلات من براثن الفقر المدقع والانضمام إلى صفوف “الفقراء النشطين اقتصادياً” لاحقا، وهم العملاء الرئيسيون للتمويل الأصغر. وهي بالتالي تعتبر تحولا ايجابيا لا شك في ذلك، ولكن ينبغي أن لا يتم تصنيفها ببرامج التمويل الأصغر المعروفة في الأدبيات وفي الممارسة. وما يقال ويروج عن التمويل الأصغر بأنه يصل إلى أفقر الناس ويفيدهم على نطاق واسع باعتباره علاجاً لكل داء فقر، قولا ليس صحيحا ولا ينبغي للتمويل الأصغر الذي يعمل بآليات الحوكمة المصرفية وسياسات المنظم باعتباره تمويل يخضع لشروط التمويل المعروفة أن يقدم ذلك. كما أن هذا الفهم السائد في كثير من الوسائط حتي المتعلمة منها ينم عن عدم فهم آلية التمويل الأصغر وحدودها ونوعية زبائنه وشروطه المصرفية وتطوره خلال السنوات الأخيرة. الادعاء بأن التمويل الأصغر يصل إلى “أفقر الفقراء”، وبأنه قادر بمفرده على القضاء على الأسباب الجذرية للفقر المدقع أمر مبالغ فيه ولا يصب في تقدير ما يمكن أن يحققه. إن التمويل الأصغر لم ولن يصل إلى العديد من الفقراء، خاصة إلى أشدهم فقراً وهو ليس مصمما لتلبية متطلبات جميع الفقراء بدون تصنيف مصرفي دقيق. كما أن الاعتقاد بأن التمويل الأًصغر “طريق سهل للخروج” من الفقر دون ألم أو جراحة عصية ودون وجود شريحة محددة قادرة على أخذه وسداده و بشكل مربح للمؤسسات الممولة اعتقاد غير صحيح ولا تدعمة الأدلة العملية وأدلة سياسات التمويل الأصغر على النطاق العالمي. وهذا الاعتقاد الخطا من شأنه أن يعيق الجهود الحقيقية للتعامل مع الفقر المدقع وآلياته في الرعاية الاجتماعية الأخرى المعروفة كالزكاة والصدقات وحتى الصناديق الاجتماعية وغيرها.
لقد كُتب عن الكثير من الأشخاص عملاء التمويل الأصغر وتزخر الأدبيات بقصص نجاح مؤثرة عن النساء اللاتي نجحن في بدء مشاريع صغيرة وأرسلنا أطفالهن إلى المدارس وتوسعت في مشروعاتهن. كما تزخر الأدبيات بالشباب الذين تخطوا مرحلة التمويل الأصغر الي الصغير والمتوسط وأصبحوا رواد أعمال. في الحقيقة هؤلاء الشباب وهؤلاء النسوة كانت لهن همة ورغبة وهن شريحة التمويل الاصغر النشطين اقتصاديا. كما أنهم في الغالب من الممارسين وكانت لهن ولهم خبرة معقولة في ممارسة الأعمال. ولكن لا يُعرف الكثير عن طبيعة وتصنيف الأشخاص الذين ليسوا عملاء، وعن أولئك الذين كانوا عملاء ولكنهم “انسحبوا أو فشلوا في تسديد ما عليهم من التزامات. وهؤلاء في الغالب ليسوا عملاء للتمويل الأصغر بل فقراء أو غير فقراء غير نشطين اقتصاديا مولوا بطريقة خطأ. ودائما ما نقول (ليس هناك عميل سيء بل هناك مؤسسة تمويل سيئة )، بمعنى أن اختيار العميل هو أحد أهم الأسباب التي تقوم على فشل أو نجاح المشروعات متناهية الصغر وضعف معدلات السداد. وتحضرني قصة قريب معلم صب جام غضبه على التمويل الأصغر باعتبار أن سقفه المحدد من البنك المركزي لا يفي بغرض تمويل المشروع . فقلت له أن نصف ذلك المبلغ لمراة نشطة اقتصاديا في الزراعة التقليدية في الريف أو قدمت خدمات مربحة أثبت بأنه كفيل بأن يعمل على إدخال أبنائها للمدارس وتغطية كثير من المصاريف الأخرى بشكل مرضي. كما أضفت بأنه كمعلم ليس نشطا اقتصاديا ولم يمارس عمل يدر له دخل غير التدريس، وهو بالتالي ليس من الجهة المستهدفة وغير مستحق للتمويل الأصغر ولذلك لا يمكنه تقدير كيف يقوم الفقراء النشطين باستغلال مبالغ التمويل في تأسيس أو توسيع مشروعاتهم وسداد ماعليهم من التزامات. في الحقيقة، هذا المعلم، إذا تم تمويله في أي مشروع من قبل أي مؤسسة، يمثل مثالا حقيقيا في سوء اختيار المؤسسات لعملائها. وأختم بالقول أنه وعندما يقال أن التمويل الأصغر “يصل إلى من لا تصل إليهم خدماته”، نقول أنه قد يعمل أيضاً على تهميش أولئك الأكثر احتياجا له عبر المحاباة (إن وجدت) أو عبر اختيار العملاء غير الجيدين وغير المستحقين لخدماته.

