الدروس المستفادة من التجربة الالمانية
وفاق صلاح عبدالعال مبروك
مارس 2025
خرجت ألمانيا من الحرب العالمية الثانية دولة مدمرة ومنهكة اقتصاديا وتواجه مستقبلًا قاتمًا بشكل لا يصدق، لكنها استطاعت في وقت وجيز النهوض مجددًا لتصبح واحدة من أهم محركات النمو الاقتصادي العالمي.
هناك عدة عوامل وإجراءات ساهمت في نهضة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، ومن بينها:
1. برنامج التعمير وإعادة البناء: قامت الحكومة الألمانية بتنفيذ برنامج شامل لإعادة بناء البنية التحتية المدمرة وإعادة التعمير. تم التركيز على إعادة الصناعات والمدن والمنازل التي تضررت بسبب الحرب.
2. التحفيز الاقتصادي: تبنت ألمانيا سياسات اقتصادية متعددة لتعزيز النمو والاستثمار. تم تشجيع الصناعات الرئيسية مثل الصناعات التحويلية والسيارات والتكنولوجيا لتعزيز الاقتصاد وزيادة فرص العمل.
3. إعادة التوطين والتعليم: تم توجيه جهود كبيرة نحو إعادة توطين اللاجئين والنازحين الذين فقدوا منازلهم خلال الحرب. كما تم تحسين نظام التعليم وتطوير البرامج التعليمية لتمكين الشباب من الحصول على تعليم جيد وتأهيلهم للمشاركة في إعادة بناء البلاد.
4. التكتلات الاقتصادية والتعاون الدولي: انضمت ألمانيا إلى التكتلات الاقتصادية العالمية مثل الاتحاد الأوروبي، مما ساهم في تعزيز التجارة والتعاون الاقتصادي. كما تم تعزيز العلاقات الدولية والتعاون مع دول أخرى لتبادل الخبرات والموارد.
5. إعادة بناء الثقة والمصالحة: تم العمل على إعادة بناء الثقة وتحقيق المصالحة بين الألمان والدول الأخرى التي تأثرت بالحرب. تم التركيز على تعزيز الحوار والتفاهم والعمل المشترك لضمان عدم تكرار الصراعات المدمرة.
عندما كانت ألمانيا في بداية مرحلة إعادة البناء، احتدم الجدل حول السياسة المالية للدولة الجديدة، إذ أراد الكثير من قادة العمال وأعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي إبقاء رقابة الحكومة.
بمجرد استسلام ألمانيا، تم تعيين من يسمونه بابو المعجزة الاقتصادية في المانيا, لودفيغ ايرهارت, في منصب وزير مالية بافاريا ومن ثم عمل جاهدًا للوصول إلى منصب مدير المجلس الاقتصادي في ألمانيا الغربية وفي النهاية حصل عليه. في البداية، كان له دور مهم في إنشاء عملة جديدة بدلًا من العملة القديمة التي كانت قد فقدت قيمتها.
– الهدف من هذا التغيير للعملة هو خفض كمية العملة المتوفرة لدى العامة بنسبة 93%، إذ ساعد هذا القرار على الحد من التدهور المادي لدى الأشخاص والشركات، وتخفيض الضرائب لزيادة الإنفاق والاستثمار.
– كان من المقرر طرح العملة في 21 يونيو 1948. وفي خطوة مثيرة للجدل، قرر إيرهارت أيضًا إلغاء ضوابط الأسعار في اليوم ذاته. بين عشية وضحاها، عادت ألمانيا الغربية إلى الحياة. إذ قام التجار بملء مخازنهم بعد تأكدهم من أن العملة الجديدة لها قيمة حقيقية.
– وسرعان ما توقفت المقايضة وانتهت السوق السوداء، بينما ترسخت السوق التجارية وعاد حس العمل عند الناس من جديد، وعاد الحس الصناعي الشهير عند الألمان.
المعجزة الاقتصادية الالمانية. (Wirtschaftswunder) أدخل ارهارد مصطلح يستخدم لوصف إعادة الإعمار الفائق السرعة
حيث تم استعمال نوع من انواع النيوليبرالية التي بدأت باستبدال الرايخ مارك بالمارك الالماني وتطبيق مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي
فتم تحقيق مرحلة من التضخم المنخفض والنمو الاقتصادي المتسارع بإشراف الحكومة وبقيادة زعيم الحكومة الألمانية
يُعرف اقتصاد السوق الاجتماعي- Social Market يعرف هذا النظام بأنه نظام اقتصادي يعمل على تحقيق التوازن بين اقتصاد السوق الحر الذي بات نظاما اقتصاديا عالمي الانتشار ولا يمكن تجاوزه، والعدالة الاجتماعية. تطور نظام اقتصاد السوق الاجتماعي من مبادئ اقتصاد السوق الحر مع استلهام عناصر أخرى من الأنظمة الشيوعية التي عززت العدالة الاجتماعية، إذ يرى منظرو هذا الاتجاه أن اقتصاد السوق الاجتماعي لا يعتبر طريقا ثالثا بين الرأسمالية غير المحدودة والشيوعية المطبقة، ولكنه يهدف إلى الجمع بين المبادرة الخاصة عبر حماية حرية الاقتصاد وتقليل التضخم والتقدم الاجتماعي المتمثل بالرخاء والضمان الاجتماعي على أساس اقتصاد تنافسي. لذا يمكن القول بأن اقتصاد السوق الاجتماعي يرفض الاشتراكية والاقتصاد المخطط المركزي من ناحية، ومن ناحية أخرى يسعى لتفكيك الرأسمالية الاحتكارية. وتتدخل الدولة في اقتصاد السوق الاجتماعي ضمن قواعد محددة في اقتصاد السوق الحر لضمان عدم حدوث فوارق اجتماعية كبيرة. ويسمى هذا النهج أيضًا «الليبرالية المنظمة: ordo-liberal»، وهي مدرسة ألمانية بديلة لليبرالية التقليدية تعمل فيها الدولة على ضمان إنتاج السوق الحر نتائج قريبة من إمكاناته النظرية
خطط مؤسسو اقتصاد السوق الاجتماعي لجعله نظاماً متحرراً من تأثير النخب وأصحاب الامتيازات على الأسواق والمجتمع مثل النخب الإقطاعية أو الحزبية أو مجموعات المصالح الاقتصادية القوية مثل الاحتكارات أو التكتلات أو الصناديق الائتمانية. وهو ما يتيح لجميع أفراد المجتمع فرصاً متساوية للتطور الفردي بما يتجاوز أي حواجز طبقية سعياً في تحقيق الازدهار أو «الرفاهية للجميع». يوزع النظام فرص الاستهلاك وكذلك الثروة داخل المجتمع حسب نظام السوق المبني على قواعد تنظيمية، بينما يتم إضفاء الطابع الاجتماعي على التقدم والربح بواسطة قنوات التنقل وإعادة توزيع الدخل بمرور الوقت من قبل قوى السوق (دون تدخل حكومي). كما يهدف النظام إلى الحفاظ على آليات السوق الحرة مع ضمان العدالة الاجتماعية في الوقت ذاته عبر الحفاظ على التوازن بين ارتفاع معدل النمو الاقتصادي وانخفاض التضخم وانخفاض مستويات البطالة وظروف العمل الجيدة والرعاية الاجتماعية والخدمات العامة عن طريق تدخل الدولة
سعى لودفيج إرهارد لخلق اقتصاد السوق الاجتماعي عبر مرحلتين، حملت المرحلة الأولى شعار «الرخاء للجميع» بينما حملت المرحلة الثانية شعار «الملكية للجميع». هدفت المرحلة الأولى إلى زيادة إبداع الاقتصاد وإنتاجيته في أسرع وقت ممكن عن طريق تخفيف قيود التنظيم أو إزالتها في بعض الأحيان. وعزّزت الخطة فرص الجميع في الحصول على وظيفة وفي أسرع وقت ممكن داخل اقتصاد ألمانيا (الغربي) المتعافي والمتنامي وهو ما يضمن للجميع نصيباً وافراً من الازدهار المتنامي في البلاد. كما يضمن حصول السكان على الضروريات الأساسية مثل الغذاء والملبس والمسكن. وبذلك يُعزّز هذا النظام البعد الاجتماعي عبر خلق وظائف أكثر إنتاجية وأعلى دخلًا مقارنةً بالاقتصاد المقيد والمخطط. وهو ما مهد لتحقيق المرحلة الثانية.
سعت المرحلة الثانية من خطة إرهارد لتحقيق مبدأ «الملكية للجميع» عن طريق تشجيع امتلاك القطاع الخاص للمدخرات والمنازل المملوكة، بالتوازي مع منح شرائح واسعة من السكان إمكانية الوصول المتناسب إلى رأس المال في البلاد. تتصل هذه المساعي مع تأكيد إرهارد ومولر أرماك على أهمية الكرامة الإنسانية، لذا يسعى هذا النظام إلى الحد من التوزيع غير المتكافئ للدخل والثروة من قبل قوى السوق وهو ما يصون «العدالة الاجتماعية» المتصورة في المجتمع. وهنا تبرز فكرة إعادة توزيع الدخل والثروة للحفاظ على «السلام الاجتماعي». ويمكن العمل على ذلك من خلال أنظمة الضمان الاجتماعي المتوافقة مع السوق (الصحة والمعاشات التقاعدية وما إلى ذلك) وتعزيز الوصول إلى شبكات الأمان والرعاية الاجتماعية في حالات الطوارئ، وكذلك نظم التوزيع الإقليمية والأنظمة الضريبية الموجهة نحو الأداء. تفرض العدالة الاجتماعية أيضاً مساعدة الأسر ذات الدخل المحدود والتي من الممكن أن يتأثر مستوى دخلها سلباً بعوامل مثل المرض والعمر، بحيث لا يعتمد الناس في معيشتهم فقط على قدرتهم على العمل.
تشمل هذه التدابير الحماية الفعّالة من الحوادث في مكان العمل، وحماية العمال عندما تُشكّل طبيعة وظائفهم خطورة جسمانية أو صحية عليهم. كما تعمل الدولة على ضمان تطبيق قوانين الحماية من إلغاء عقود العمل ومنع الفصل التعسفي الذي يرتكبه رب العمل عند طرد أي موظف بين ليلة وضحاها. بالإضافة إلى أشكال أخرى من المساعدة على شكل منح واستحقاقات السكن ومدفوعات الرعاية الاجتماعية مثل إجازة الأمومة. فضلاً عن قوانين أخرى تعوق استحواذ شركات كبرى على شركات أخرى واحتكار السوق أو اتفاق الشركات على أسعار البضائع، ما سيضر بالشركات الصغيرة أو يسبب إفلاسها. يضمن القانون أيضا حماية الملكية الخاصة، بينما يوفر الضمان الدستوري للمفاوضة الجماعية وحق الموظفين في أن يكون لهم صوت في شركاتهم.
يمكن اختصار أهداف اقتصاد السوق الاجتماعي بالجمع بين تحقيق أكبر قدر ممكن من الرخاء إلى جانب أفضل ضمان اجتماعي ممكن. وهو ما يجمع بين مزايا اقتصاد السوق الحر، مثل حرية اختيار الوظائف والتسعير الحر والمنافسة والاستفادة من وجود مجموعة كبيرة من السلع بأسعار زهيدة، بينما يخفف من مساوئ اقتصاد السوق الحر التي تتمثل في تشكيل الاحتكارات واتفاق التجار على الأسعار والبطالة. وهو ما يدعو الدولة بالضرورة للتدخل إلى حد ما في تنظيم السوق وتأمين المواطنين ضد المرض والبطالة من خلال شبكة من التأمينات الاجتماعية.

