أقتصاد ما بعد الحرب- ولنا في اليابان أسوة حسنة
وفاق صلاح عبدالعال مبروك
إن ما يحدث بعد الانتصار أو الهزيمة في الحرب قد يكون أكثر أهمية من الحرب نفسها . ليس هناك مجال للشك أن اليابان من الدول التي نجحت في الاذدهار الاقتصادي والاجتماعي بعد الحرب وقد خرجت منها في حالة دمار شامل وكان تحديا كبيرا نجحت في تجاوزه بجدارة واتمني ان نحزوا حزوهم والاستفادة من تجربتهم في اعمار سوداننا ما بعد الحرب ولكن بعد مراعاة الفروقات والتشابه بين البلدين وكل الظروف المحيطة. هنالك دول اخري مثال المانيا ورواندا اللتان نجحتا في عبور فترة ما بعد الحرب والخروج منها بنجاح كقوة اقتصادية لا يستهان بها ولكن سيكون محور تركيزنا هنا علي اليابان والاستفادة من تجربتهم الناجحة فقد خاضت اليابان جهودًا كبيرة لإعادة بناء اقتصادها وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الحالية. لقد كانت من اهم الركائز التي استندت عليها اليابان:
1.إعادة الإعمار الاقتصادي: بعد الحرب كان على الحكومة اليابانية تحمل تكاليف إعادة الإعمار فتبنت سياسات اقتصادية تركز على تحفيز الإنتاج وتعزيز التجارة الخارجية. تم توجيه الاهتمام بشكل خاص نحو صناعة التصدير وهو ما سيتطلب منا تشجيع الصادرات تحت مظلة جسم يخصص جل وقته وطاقته لدعم وتنشيط الصادرات ويلقي ما يليق من رعاية من قمة الدولة.
2. التحول الاقتصادي من الزراعة إلى الصناعة بتبني نهجًا حكوميًا قويًا يدعم الصناعات الرئيسية والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة وتحسين عمليات الإنتاج. أما في حال الوضع الراهن للزراعة في السودان ونسبة لاهمية الزراعة وصناعة الغذاء وتوفر الاراضي الصالحة للزراعة والموارد المائية والبشرية فمن الاجدر ان يكون التحول الزراعي الي الزراعة باستخدام طرق متطورة باستعمال التكنلوجيا والطرق الحديثة لزيادة الانتاجية وليس الانصراف عن الزراعة تماما كعنصر اساسي في الاقتصاد بالاضافة الي التوجه نحو الصناعات التكنلوجية كما فعلها اليابانيون.
.3 التحالف مع الغرب: ببناء علاقات قوية مع الدول الغربية والمتقدمة و تلقي الدعم الاقتصادي والتكنولوجي، وتطورعلاقات التجارة الدولية وتبني نظم ومؤسسات غربية ومتطورة. فمن المهم جدا أن نري سفارتنا في الخارج تعمل علي تقوية الاواصر الاقتصادية والتبادل التجاري وجذب الاستثمار والتكنلوجيا باستخدام الدبلوماسية الاقتصادية.
4. التسارع في عملية إعادة تخصيص الموارد بين القطاعات، ولا سيما القوة العاملة، من القطاع الزراعي ذي الإنتاجية المنخفضة نسبيا إلى القطاع الآخر الذي يحظى بإنتاجية أعلى ودخل إجمالي أكبر للفرد. أن توزيع الموارد بين القطاعات المختلفة ووجود أو غياب عوائق أمام إعادة التوزيع هي عناصر مهمة في فهمنا للنمو الاقتصادي على المدى الطويل فوجب لنا هنا التوازن ما بين اهمية الزراعة بالنسبة لنا في السودان وما بين اضافة التكنلوجيا فيها والتصنيع المصاحب لها والاتجاه نحو استخدام التكنلوجيا في الصناعات المتقدمة والاستفادة من التطور في الذكاء الصناعي. وبموجب خطة تحريك القوة العاملة، طبقت الحكومة اليابانية سياسات لتعزيز التموضع الاستراتيجي للقوة العاملة إلى الصناعات الحربية فقد تبنت اليابان سياسة شاملة للتحديث في مسعى للحاق بركب الغرب الصناعي تحت شعار ’’فوكوكو كيوهيي (تنمية القوة الاقتصادية والعسكرية للبلد)‘‘. وهنا تأتي اهمية مطابقة سوق العمل و أعادة توزيع القوة العاملة بين القطاعات. وينطبق الكثير من ذلك على إعادة توزيع رأس المال، وهو عامل أساسي آخر في الإنتاج. فقد تبنت الحكومة اليابانية خلال الحرب سياسات لتعزيز الأولوية لتوزيع التمويلات على الصناعات الحربية والسندات الحكومية. وإحدى نتائج جهود عملية جمع التمويلات وتوزيعها التي تمت على نطاق هائل وعلى مستوى البلاد كانت استبدال التمويل المباشر – الذي دعم التنمية الاقتصادية قبل الحرب – بنظام توسعي بشكل سريع للتمويل غير المباشر استنادا إلى المدخرات البنكية والبريدية. وعلى مدى سنوات عديدة بعد الحرب، شكل هذا النظام الأساس المالي للنمو الاقتصادي السريع من خلال تسهيل استيعاب المدخرات والتوزيع الكفء لرأس المال ووضع إجراءات فعالة لضمان الشفافية والكفاءة في توزيع الموارد.
5- باتباعهم نهج كيريتسو في تسهيل تجميع الموارد وتقاسم المخاطر بين الشركات الأعضاء فيه أدى إلى تحقيق وفورات الحجم والنطاق ووفر بيئة مستقرة للتخطيط والاستثمار على المدى الطويل، وهو أمر بالغ الأهمية لصناعات مثل السيارات والإلكترونيات، حيث اكتسبت اليابان به ميزة تنافسية. عزز كيريتسو الشعور بالمجتمع والالتزام المتبادل، بما يتماشى مع المعايير الثقافية اليابانية للتناغم والمسعى الجماعي ويدعم النظام التوظيف مدى الحياة، مما يساهم في الاستقرار الاجتماعي وقوة عاملة ماهرة ومخلصة. ودعمت الحكومة اليابانية الكيريتسو من خلال السياسات التي شجعت الدمج الصناعي والنمو القائم على التصدير وهو نظام يبدو انه ممكن ان يكون الاقرب للاستخدام في السودان من قبل الشركات المملوكة للحكومة او المؤسسة العسكرية والشركات المتعددة النشاطات.
لقد كانت السياسات الحكومية ونظام كيريتسو يعززان بعضهما البعض، حيث لعب كل منهما دوراً هاماً في النجاح الاقتصادي الذي حققته اليابان بعد الحرب برغم ما له من سلبيات كما يراه البعض. وفي حين قدم كيريتسو شبكة منظمة لتنفيذ الاستراتيجيات الحكومية، فإن السياسات المعمول بها ضمنت حصول هذه التحالفات المؤسسية على الدعم اللازم لدفع المحرك الاقتصادي للبلاد إلى الأمام. وكانت هذه الشراكة ضرورية في تحويل اليابان إلى القوة الاقتصادية التي هي عليها اليوم.
إن الصعود السريع الذي شهده الاقتصاد الياباني في فترة ما بعد الحرب كان بمثابة شهادة على مرونة وإبداع شعبها ومؤسساتها. وفي مركز هذا الانتعاش الملحوظ كانت كيريتسو. ولعبت شبكات الشركات هذه دورًا محوريًا في التصنيع السريع في اليابان، مما أدى إلى تحفيز الابتكار والقوة التنافسية في السوق العالمية في وجود تمهيد السياسات الاقتصادية لاندماج أعمق مع المجتمع الدولي.
الوقوف علي التجربة اليابانية عن كثب والاستفادة من تجربتهم الناجحة والتعامل بطرق مختلفة في ما كان له اثر سلبي في بعض الاحيان امر في غاية الاهمية في نفس الوقت الذي يجب ان نضيف اليه بعض التدخلات الاخري مثال:
إعادة البناء الاقتصادي على أساس إسقاط الديون وتحقيق التكامل التجاري أي إقناع الدائنين بأن يكون باسقاط الديون كاملة او جزئيا و سداد الدفعات المتبقية مشروطًا بتحقيق البلاد فائضًا تجاريًا، أي أنه لا يتوجب على الحكومة سداد أي أموال إلا إذا كانت تستطيع ذلك وليس عن طريق المزيد من الديون والاهم من ذلك اشراك الدول الدائنة في انجاح المساعي في تحقيق ذلك باتاحة فرص استثمارية عن طريق رسملة الديون و استيراد المنتجات السودانية حتى تتمكن في وقت لاحق من استرداد أموالها.
تخفيض الضرائب لزيادة الإنفاق والاستثمار في فترة اعمار ما بعد الحرب بل تكون هناك محفزات للمستثمرين والمصدرين مما سيشجع علي الاقبال علي الاستثمار والتصدير وتوفر العملة الصعبة. يجب تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد من خلال تقديم تسهيلات وقروض ميسرة للشركات الصغيرة والمتوسطة. مما سيمكن من أن يساهم في خلق فرص عمل جديدة وتحفيز النمو الاقتصادي.
تشجيع السيدات والفتيات والشباب في الانخراط في عملية اعادة التعمير والقبول بوظائف وادوار مهمة مقرونة باعطائهم تسهيلات ودعم فني وبطاقات تموينية غذائية وخلافه من حزمة محفزات كل حسب احتياجه.
لتطوير النظام التعليمي والتدريب المهني دورًا مهمًا في تجهيز القوى العاملة الماهرة وهو محور في غاية الاهمية يحتم الاسراع في العمل به اولا للاسراع بسرعة تأهيل واستيعاب العمالة الماهرة المحلية وزيادة نسبة التوظيف والحد من البطالة بانخراطهم في عمليات اعادة التعمير والتركيز على دعم الصناعات الثقيلة والصغيرة كجزء وانخراطهم فيها كجزء من استراتيجية إعادة الإعمار.
يجب التركيز على إعادة بناء البنية التحتية التي تضررت خلال الحرب، بما في ذلك الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس والموانئ، وشبكات الاتصالات وتحسين الخدمات الاساسية بما يسهم في تسهيل الأعمال التجارية وجذب المستثمرين و تشجيع الاستثمار
من الضروري تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة تشمل تحسين إدارة الموارد المالية، مكافحة الفساد، وتطوير السياسات المالية والنقدية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال هذه التدابير يمكن للسودان الاستفادة من الدعم الدولي و التعاون مع المؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي للحصول على قروض ومنح تساعد في تمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
تسهيل الإجراءات الإدارية و تبسيط وتسهيل الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بتسجيل الشركات والحصول على التراخيص يمكن أن يجعل الاستثمار أكثر جاذبية وسهولة لان لابد لنا ان نعترف اننا لسنا من الدول الجاذبة للاستثمار ووجب ان يتم تغيير جزري لهذه الظاهرة. وفي ظل وجود ضمانات قانونية وحماية حقوق المستثمرين وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد سيساهم في بناء الثقة وجذب الاستثمارات. ولجذب المستثمرين لابد للترويج للاستثمار بإنشاء هيئات متخصصة لترويج الاستثمار وتقديم الدعم والمعلومات للمستثمرين المحتملين وهنا تاتي اهمية وضع خطة محكمة بين الوزارات ذات الصلة بالاقتصاد ووزارة الخارجية لتفعيل دور السفارات حول العالم في هذا الامر.
تسهيل الإجراءات الجمركية بتبسيط وتسهيل الإجراءات الجمركية وتقليل الرسوم الجمركية مما يمكن أن يشجع على زيادة التبادل التجاري ويجعل السودان وجهة أكثر جاذبية للتجارة في نفس الوقت الذي يتحتم فيه حماية الحدود لحماية الانتاج المحلي من التسرب والتهريب الي الدول المجاورة وعدم اغراق السوق بالسلع المستوردة الارخص سعرا وحماية المنتج المحلي.
سيكون من المهم جدا اعادة الثقة في النظام المصرفي بوضع ضمانات حكومية لحماية اموال المودعين وهو ما سيسهم في تحرك الكتلة النقدية ويعيد دوران راس المال.
اهمية دور البنك المركزي في تعزيز الشمول المالي وتشجيع المدفوعات الرقمية وتطبيقات الدفع والمحافظ الرقمية سيكون حجر زاوية في النقلة النوعية المستهدفة بالاضافة لتسهيل اجرائات فتح فروع للبنوك العالمية بنظام ال Off- shore banks وما سيحدثه في التعاملات المصرفية العالمية بالاضافة لوضع سياسات تناسب الطموح لهذه الفترة في التعامل مع المستثمرين والمنتجسن والمصدرين وما دون ذلك فسيذهب جل المجهود الي فناء.
فترة ما بعد الحرب ستتطلب جهود عالية جدا والتزام من كل من يهمه امر البلاد والعباد وتكامل في الادوار واشراك المجتمع المحلي والدولي والتعلم من تجارب الغير بما سيسهم في اختصار كثير من الوقت والمجهود والمال بطبيعة الحال.
والله من وراء القصد…

