الروابط الفكرية والمفاهيمية لثقافة، وبناء، وحفظ السلام: في الحالة السودانية !؟
السفير.د. معاوية التوم
هذه محاوله للغوص في كيفية المزج بين هذه المفاهيم المتداخلة عند استعراض الحالة السودانية. في سياق الوضع الاستثنائي الذي تمر به أمتنا، بالاستفادة من التجارب الإنسانية من حولنا. سيما وأنه في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، باتت الحاجة إلى تأصيل العلاقات بين الثقافة، والبناء، وحفظ السلام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. في هذه المفاهيم، وإن بدت للوهلة الأولى متفرقة، إلا أنها في عمقها مترابطة ترابط الجذور بالجذع، والثمر بالأصل.بل ربما انعكس هذا الواقع من الحروب والنزاعات الداخلية، في ضرورة استدعاء هذه المفاهيم والمقاربة فيما بينها.
أولًا: الثقافة.. الوعي المؤسِّس
الثقافة ليست مظهرًا نخبويًا أو ترفًا فكريًا يُمارس في أروقة الجامعات، بل هي القاعدة الأساسية التي يتشكّل عليها وعي الأفراد والمجتمعات. إنها الإطار الذي نرى من خلاله العالم، ونُدرك به ذواتنا والآخرين.
ثقافة الحوار، والتعايش وقبول الاختلاف، واحترام الكرامة الإنسانية، تشكّل أساسًا نفسيًا وأخلاقيًا يُمهّد لأي مشروع بناء حقيقي. فحيثما تغيب الثقافة، ينشأ فراغٌ تُملؤه النزاعات، وينمو فيه التطرف، والارهاب والتنمر وتُجهض فيه محاولات البناء قبل أن تولد.
ثانيًا: البناء.. ثمرة الوعي وأداته
البناء – بمفهومه الواسع – هو التجلي العملي للثقافة. فالمجتمع الواعي لا يبني فقط مدارس ومستشفيات، بل يبني فكرًا، ويؤسس لنهج تنموي عادل، ويرعى الإنسان قبل البنيان.ويشحذ همة الإنسان وتباعه نحو تطوير ذاته، ووضع السياج المنيع لكرامته وعزته.
في هذا السياق، لا يمكن أن تنفصل مشاريع التنمية عن الإطار الثقافي الذي تنشأ فيه. فإذا كانت الثقافة تقود نحو قيم التعاون والمشاركة، فإن البناء يصبح مشروعًا جماعيًا. أما إذا انطلقت من ثقافة الإقصاء والتهميش والأنانية، فإن كل بناء سيكون هشًا، مهددًا بالسقوط مع أول ريح.
ثالثًا: حفظ السلام.. غاية البناء الراشد
السلام ليس نقيض الحرب فقط، بل هو حالة وجودية تشمل العدل، والكرامة، والتوزيع المتوازن للفرص وللموارد والثروات . لا يتحقق السلام بالسلاح أو الاتفاقيات المؤقتة، بل يتحقق حين تتجذر ثقافة السلام في النفوس، ويتأسس البناء على قيم الحق والمساواة في المواطنة والحقوق .
وحفظ السلام في جوهره هو نتيجة حتمية لبناء قائم على ثقافة رشيدة. حيث تنتفي أسباب الصراع: من التهميش، والفقر، والتمييز، هناك فقط يُمكن للسلام أن يُزهر ويستمر ويثمر غرسه وترتقي شجرته.
رابعا: الترابط المفاهيمي
يمكننا تلخيص العلاقة بين هذه المفاهيم في سلسلة مترابطة:
• الثقافة تولّد الوعي
• الوعي يُنتج بناءً رشيدًا
• البناء العادل يُثمر سلامًا مستدامًا
بهذا المعنى، فإن أي مسعى لحفظ السلام وحفظه واستدامته ، دون ثقافة مؤسِّسة، أو بناءٍ عادل، هو أشبه بمحاولة إنبات شجرة في صخرة.
خاتمة:
وفق هذه الثلاثية، فإن الرهان الحقيقي على المستقبل لا يكمن في مراكمة الثروات أو التسابق نحو التسليح، بل في ترسيخ ثقافة تُؤمن بالإنسان، وبناءٍ يكرّم الإنسان، وسلامٍ يحفظ كرامته ويصون حريته. فالسلام، في نهاية المطاف، هو عنوان حضارة لا تُبنى إلا بالثقافة، وتُصان فقط بالعدالة.وتولد لاجله القيادة الملهمة بمقتضيات لتنهض بامره وتوثق عراه.
ربما يتبادر سؤال للذهن عن كيفية إسقاط هذه المفاهيم على الواقع السوداني ، بحكم التجارب التي عاشتها البلاد منذ الاستقلال ومغازيها .لأن السودان يمثّل نموذجًا مركّبًا يمكن من خلاله استكشاف التفاعل بين الثقافة، والبناء، وحفظ السلام في سياق واقعي مليء بالتحديات، الأمر الذي يحتاج الي تحليل فكري ومفاهيمي حول كيفية المزج بين الثقافة والبناء وحفظ السلام في الحالة السودانية:
السودان: بين الذاكرة الثقافية والرهان على البناء والسلام
1. ثقافة السودان: التنوع بوصفه رصيدًا لا تهديدًا
السودان يتميّز بتنوع ثقافي ولغوي وديني وعرقي كبير، وهو ما يجعله أرضًا خصبة لثقافة غنية، لو تم استثمارها بشكل إيجابي.
• المشكلة ليست في التنوع ذاته، بل في عدم وجود والقدرة على صناعة إطار ثقافي جامع يحتضن ذلك التنوع.
• غابت ثقافة الاعتراف المتبادل، وحلّ مكانها خطاب الإقصاء والتهميش والهيمنة، مما أنتج نزاعات مزمنة.
• إذا استُثمر هذا التنوع في ترسيخ ثقافة السلام والتعددية، يمكن أن يكون السودان نموذجًا عالميًا بلا منازع، ولأمكن مخاطبة التحديات التي تواجهه.
2. البناء: غياب المشروع الوطني الجامع
• تجارب البناء في السودان – منذ الاستقلال – كانت في الغالب مشاريع نخبوية خلافية مفصولة عن المجتمع، متداخلة الأجندات أو مشاريع تخدم جهة دون أخرى، او متعارضة مع المزاج العام للشعب وموروثه وتقاليده.
• افتُقد مفهوم “البناء بالمشاركة”، سواء على مستوى البنى التحتية أو التنمية الاقتصادية أو حتى بناء الهوية الوطنية.
• فشلت الحكومات المتعاقبة في تحويل الثقافة إلى مشروع بناء جامع، مما أدى إلى هشاشة الدولة أمام الصراعات الداخلية. ومكنت الحرب الماثلة وتداعياتها الي مزيد من المباعدة، بين المكونات، تحتاج معه البلاد الي مؤتمر سوداني .. سوداني، لاستدعاء المصهر الوطني وتحقيق غاية البناء الوطني على أسس المشاركة الجمعية للأمة السودانية.
3. حفظ السلام: الحاجة إلى سلام مستدام لا مؤقت
• تجارب اتفاقيات السلام في السودان (نيفاشا، الدوحة، جوبا…) غالبًا ما كانت سياسية النَفَس والمقاصد، لا ثقافية الرؤية.
• لم تُقرن هذه الاتفاقيات بمشاريع ثقافية تربوية جمعية تُغيّر النظرة تجاه “الآخر”.
• حفظ السلام يتطلب إعادة بناء الوعي الجمعي، وليس فقط توقيع وثائق.أو الاعتماد على السند الخارجي بأجنداته ومشاريعه التي لها أهدافها وأولوياتها و ليس بالضرورة ان تكون متسقة مع الخيارات الداخلية للشعب.ولا استدعاء البعثات الأممية التي تجاوزت ال ٢٣ عاما، يوناميد، بوتسيفا، ويونيتامس، وبرهنت تجاربها وما خلفته من واقع معقد على عدم جدواها في تحقيق السلام والاستقرار وتأمين سياج عاصم لأمن وسيادة البلاد ووحدتها وسلامة أراضيها.
4. كيف يتم المزج عمليًا؟
لدمج هذه العناصر في سياق السودان، يمكن العمل على ثلاث مستويات:
أ. الثقافة كأداة للمصالحة
• إطلاق برامج ثقافية وفنية تعيد تشكيل الذاكرة الجمعية، وتُبني على قصص التعايش والبطولات المشتركة.
• تدريس تاريخ السودان برؤية شاملة، تتجاوز السرديات الانقسامية وتعزز مقاصد الوحدة والهوية السوداناوية.
ب. البناء كفعل جماعي
• إشراك المجتمعات المحلية في مشاريع التنمية، بحيث يشعر المواطن بأنه “جزء من الحل”.
• إدماج الأقاليم في عملية اتخاذ القرار، وربط البناء بالعدالة المكانية.
ج. السلام كمسار طويل المدى
• الانتقال من “إطفاء الحرائق” إلى منع اشتعالها أصلاً، عبر التربية الوطنية ، والإعلام القومي، وتمكين منظمات المجتمع المدني وتمتين بنيانها.
• بناء مؤسسات تحمي حقوق الإنسان، وتضمن العدالة الانتقالية.
خاتمة:
إن لم تُصاحب مشاريع السلام في السودان ثقافة تغيير جذري في الرؤية والمفاهيم، وربط جدي بين هذه القوالب، وإن لم يُبنَ السودان على أساس العدالة والمشاركة والكرامة، فإن كل اتفاق سيبقى هشًا وقابلا للانهيار. وأن المزج بين ثقافة وبناء وحفظ السلام واستدامته ليس ترفًا نظريًا، أو هياجا سياسيا دون اطار وطني حصين الجدران. و هو السبيل الوحيد لتجاوز الحلقة المفرغة من الصراع والتهميش، والمشروعات الخارجية المفخخة . ويبقي الخيار الوطني الداخلي بارادة أبناء الأمة وقياداتها على اختلاف مشاربهم والتراضي فيما بينهم، بغية الوصول إلى تفاهمات مشتركة ووطن يحتضن كلّ أبنائه، على اختلاف ألوانهم وسحناتهم وأصواتهم هو السياج الآمن والحصين.

