مبحث من رسالة د. ماجد السر لنيل درجة الدكتوراة الثانية…بعنوان هندسة النسيج الاجتماعي ما بعد الحرب…دراسة حالة ولاية الخرطوم
الفساد في زمن الحرب وانعكاساته على النسيج الاجتماعي: دراسة في الحالة السودانية
مقدمة
يُعد الفساد من أبرز الظواهر الملازمة لفترات النزاع المسلح، حيث تتراجع الهياكل المؤسسية وتضعف الرقابة، ويصبح الاستغلال فرصة متاحة أمام الفاعلين الرسميين وغير الرسميين. وتكتسب دراسة الفساد في هذا السياق أهمية خاصة، لا سيما حين يُنظر إليه بوصفه عاملاً مهدِّداً للوئام الاجتماعي، ومُعيقاً رئيسياً لجهود إعادة البناء بعد الحرب.
أولاً: مظاهر الفساد في زمن الحرب
1. الفساد المالي والإداري
تتزايد فرص التربح غير المشروع في ظل الفوضى، من خلال نهب المال العام، وتضخيم العقود، وبيع المناصب الوظيفية. وتؤدي هذه الممارسات إلى انهيار معايير الكفاءة وتغذية دوائر النفوذ والمحسوبية.
2. الفساد في المؤسسات الأمنية والعسكرية
تستغل بعض الأطراف حالة الحرب لتجنيد عناصر غير مؤهلة، أو إنشاء حواجز تُفرض من خلالها الجبايات على المدنيين، إضافة إلى التواطؤ مع شبكات التهريب، ما يُقوِّض مبدأ سيادة القانون.
3. الفساد في القضاء
يتجلى في تعطيل العدالة، وتسييس الأحكام، وغياب المحاسبة، ما يؤدي إلى تراجع ثقة المواطنين في الدولة، ويكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.
4. الفساد الإعلامي
يتحول الإعلام إلى أداة دعائية تروّج لسرديات أحادية، وتنشر معلومات مضللة تخدم أطراف الصراع، مما يُذكي الانقسامات ويقوّض المساعي نحو المصالحة.
5. الفساد في العمل الإنساني
يُستغل العمل الإغاثي كوسيلة نفوذ، من خلال التلاعب بالمساعدات، وتوزيعها على أسس انتقائية، أو تحويلها للسوق السوداء، ما يحرم المتضررين من حقوقهم.
6. الفساد الاجتماعي والأخلاقي
تؤدي الحروب إلى تراجع القيم المجتمعية، وتفشي ظواهر الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال، ما يعكس انهيار شبكات الحماية الاجتماعية وتفكك العلاقات المجتمعية.
7. الفساد داخل المنظمات العاملة في مناطق النزاع
يتمثل في تواطؤ بعض العاملين مع أطراف النزاع، أو سوء استخدام التمويل، في ظل غياب آليات رقابة فعالة، ما يُضعف فعالية هذه المنظمات ويشكك في حياديتها.
ثانياً: الآثار المترتبة على الفساد في مرحلة ما بعد الحرب
يُشكّل الفساد عقبة حقيقية أمام إعادة الإعمار وترسيخ السلم، إذ يُقوِّض شرعية المؤسسات، ويُهدر الموارد، ويُضعف ثقة المواطنين في الدولة. كما يؤدي إلى تعزيز الإقصاء والتفاوت، ما يُفضي إلى إعادة إنتاج أسباب النزاع من جديد. وعلى المستوى الاجتماعي، يُعمّق الفساد مشاعر الغبن، ويقوِّض قيم التضامن، ويُعطّل المبادرات المدنية، مما يعيق عملية رتق النسيج الاجتماعي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع.
ثالثاً: الحالة السودانية
تُعد الحرب التي اندلعت في السودان عام 2023 مثالاً واضحاً على ترابط الحرب والفساد، حيث شهدت البلاد انهياراً واسعاً في مؤسسات الدولة، ونهباً ممنهجاً للموارد، واستغلالاً للمساعدات الإنسانية. وقد تحوّلت الأجهزة الأمنية إلى أدوات جباية، وتعرض القضاء للتهميش، فيما أُعيدت المساعدات إلى السوق السوداء، أو تم توزيعها بشكل انتقائي يخدم مصالح فئوية. وأسهم الخطاب الإعلامي التحريضي في تأجيج التوترات الاجتماعية، وتعطيل جهود التعايش.
هذا الواقع أنتج حالة من التفكك المجتمعي، حيث تزايد الشعور بالتمييز والغبن، وانهارت شبكات الثقة، خاصة بين المركز والهامش، وبين المكونات الجهوية والإثنية. وقد أدى ذلك إلى إضعاف إمكانات المصالحة المجتمعية، وأفرز تحديات كبيرة أمام بناء سلام مستدام.
خاتمة: الفساد وتمزق النسيج الاجتماعي
يتجاوز الفساد في سياق الحرب كونه ظاهرة اقتصادية أو إدارية، ليُصبح عاملاً بنيوياً في تدمير النسيج الاجتماعي، من خلال ضرب أسس العدالة والشفافية والمساواة. وفي الحالة السودانية، ساهم الفساد في تكريس الانقسام، وتفكيك الروابط المجتمعية، وتعميق فجوات الثقة. لذا فإن مكافحته لا تقتصر على تفعيل الآليات القانونية، بل تستدعي مشروعاً اجتماعياً يهدف إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس النزاهة والإنصاف والعدالة.

