رحلتي مع التفكير البرجماتي
بروفيسور بدر الدين عبد الرحيم ابراهيم
يُقرّ التحليل البراجماتي بأن الواقع في حالة تغيّر مستمر، يتسم بتطورات وتحولات وتحديات غير متوقعة تقاوم الحلول النظرية التقليدية الثابتة أو المُحددة مسبقًا. وبالتالي، غالبًا ما يكون من الضروري معالجة القضايا الحالية من منظور عملي بدلًا من النظري. يجب أن نمتنع عن قبول الحقائق المطلقة، وأن نتعامل بدلًا من ذلك مع الواقع القائم. بعد ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا من الخبرة، توصلتُ إلى أن البراجماتية تُشكّل إطارًا عمليًا وفعالًا للبحث النوعي في التحديات الاقتصادية الماثلة، وخاصةً تلك المتعلقة بالشمول المال والتوازن الاقتصادي.
يُركّز هذا النهج على المعرفة العملية بدلًا من المفاهيم النظرية، ويسعى إلى ربط الخبرة والمعرفة مع الخطوات العملية. علاوة على ذلك، تُقدّم البراجماتية بنية معرفية متينة تُوجّه عملية البحث وتطبيقاتها العملية. لايجاد الحلول بدلا عن تكرار النظريات التي لا تتماشي مع عالم اليوم. ويُعد تركيز البرجماتية على توليد المعرفة العملية مفيدًا بشكل خاص، إذ يضمن أن يكون البحث مُتجذرًا في الواقع مع استناده إلى النظرية في الوقت نفسه. ولكن بتفكير خارج الصندوق. أُؤكّد أن قيمة الأفكار مُستمدة من قابليتها للتطبيق في حياة الناس، وأن الاعتبارات النظرية يجب أن تُربط أولًا بالممارسة الحالية وكيفية تطويرها عمليا وعلميا، ثم بالمصلحة المجتمعية. علاوة على ذلك، فإن الحقيقة ليست اكتشافًا جامدًا، بل تُشكَّل وتُعاد صياغتها من خلال التجارب العملي المتغيرة دووما. لذا، تكمن إحدى نقاط القوة الرئيسية للبراغماتية في إدراكها أن الحقائق والنظريات الاقتصادية ليست ثابتة؛ فما يُعتبر صحيحًا في عالم اليوم قد يصبح غير ذي صلة غدًا، لأن الحقيقة وسيلة ديناميكية قابلة للتطور والتكيف. كما تُشدد على اتخاذ القرارات العملية من خلال إخضاع المفاهيم للاختبار التجريبي. وبهذه الطريقة، تُصبح المعرفة أداةً لتحقيق الأهداف الإنسانية المتعلقة برفاه المجتمع. لذلك، يُعد الجانب العملي المعيار الأساسي لتقييم النظريات والمفاهيم. المعضلات والتغيرات والتحديات الماثلة أمام دول العالم الثالث لا تقبل الحلول النظرية الثابتة أو المتفق عليها سلفا، لهذا ينبغي أن نتعامل مع المشكلات تعاملا عمليا واقعيا وليس نظريا في كثير من الأحايين. بمعني عدم قبول حقائق مطلقة بل ينبغي التعامل مع معطيات الواقع. من خلال تجربة استمرت نحو ربع قرن توصلت الى أن البراجماتية نموذج بحث عملي نوعي فعال تركز على المعرفة العملية وتعمل على الترابط بين الخبرة والمعرفة والفعل على الأرض لايجاد الحلول للمعضلات الاقتصادية في العالم النامي ومن أهمها معضلات الشمول المالي. ويُعد تركيز البراجماتية على إنتاج المعرفة العملية مفيدًا بشكل خاص لأنه يضمن أن يكون التقصي مع الواقع، بالإضافة إلى استناده إلى النظرية.كما أنني أؤمن بأن الأفكار لا تكتسب قيمتها إلّا من خلال تطبيقها العملي ومنفعتها لحياة الناس، وأن الجوانب النظرية ينبغي أن ترتبط بالممارسة أولا وخدمة المجتمع ثانيا. فضلا عن أن الحقيقة لا تُكتتشف مرة واحدة وإلى الأبد، بل تخلَق ويعاد صياغتها عبر نتائج التجربة العملية وتاثيرها على حياة الناس، الهدف الرئيسي من دراسة وتطبيق الاقتصاد. لذلك فان من أهم مزايا البرجماتية أن الحقائق ليست ثابتة وأن حقائق اليوم تصبح غير ذات جدوى مستقبلا لأن الحقيقة ليست غاية بل وسيلة قابلة للتطوير والتعديل. كما أنها تعطي أولوية للاختيار العملي بخضوع الفكرة للتجربة. وبذلك فان المعرفة وسيلة لخدمة غايات انسانية متعلقة برفاهية المجتمع ولذلك فان البُعد العملي هو المعيار الأساس الذي يحكم النظريات والمفاهيم.
التفكير البرجماتي من هذا التحول يعني أنني ارتأيت أن يكون البحث والتقصي متوافقا مع الواقع مع الاستفادة من النظرية في نفس الوقت مع النظر لجعل الفكر الاقتصادي قابلا للتطبيق لتحسين حياة الناس. رحلتي مع هذا التفكير لها تاريخ بدأ بالتحول من برامج البنك الدولى وصندوق النقد الدولي اللذان تخصصت فيها في دراساتي العليا بجامعة مانشيستر بانجلترا الى تنمية وتطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر عبر اليات الشمول المالي. النظربة التي تقوم علبها مؤسسات برتون وودز لا غبار عليها في الاقتصادات المتقدمة ولكنها لن تفي بالغرض في حالة الدول النامية. ربما ما كتبته رسالتي في برامج البنك الدولى بأفريقيا هو الذي قادني لهذا التحول. اذ أنني كنت أرى أن اساس المشكلات تكمن في ضعف العرض الكلي من السلع والخدمات الذي يمثل فيه المشروع الصغير، خاصة الزراعي راس الرمح. وتمنيت وقتها أن يسخر البنك الدولى جزء ولو يسير من موارده لحل المشكلات المجتمعية المتمثله في زيادة الدخول والتشغيل والانتاج وضمان الأمن الغذائي من الداخل بدلا عن البحث عن حلول خارجية للتوازن الاقتصادي بشقية الداخلى الخارجي. كما هداني التفكير البرجماتي أيصا الي التحول من البحث حول النظام الاسلامي في التمويل الى فهم أسباب عدم قبول الصيغ التي يتعامل بها النظام المصرفي الاسلامي في الغرب والتي أراها صيغا مفيدة وعملية وتقوم بايجاد الحلول لكثير من معضلات التمويل القاعدي. وبدأت منذ سنوات امتدت لأكثر من عشرة سنوات التفكير في كيفية الاستفادة من صيغ التمويل الاسلامي في الغرب بدون صبغة دينية وبدون أي تحولات في الأطر التنظيمية والرقابة الي أن قادني العمل الميداني في أفريقيا الذي طبق هذه الصيغ في مؤسسات التمويل الأصغر وبنوكه دون دراية بأصوله وبصورة سلسلة لم تحتاج لتغيير الأطر التنظيمية والرقابية في تلك الدول الى التفكير الي كتابة ثلاثة كتب طبعت بأوروبا للترويج لهذه الفكرة البرجماتية التي أطلقت عليها الطريق الثالث في الشمول المالي والتي تحاول اندياح الشمول المالي في العالم بكل الصيغ الممكنة في كل نظام حسب مايراه مناسبا له.

